«Triage»: يصبح الأدب غرفة طوارئ للعالم
مراجعة فلسفية وأدبية لكتاب كلوديا رانكين

كتب باسم الموسوي

ليس من السهل تصنيف كتاب Triage لكلوديا رانكين. فهو ليس رواية، ولا ديوان شعر، ولا سيرة ذاتية، ولا كتابًا في النظرية السياسية، مع أنه يحتوي شيئًا من كل ذلك. إنه نص يقف على الحدود بين الأجناس الأدبية، كما يقف العالم الذي يصفه على الحدود بين الحياة والموت. وهذا ليس اختيارًا شكليًا، بل هو جوهر المشروع نفسه؛ إذ إن كلمة Triage، المستعارة من الطب العسكري، تعني عملية فرز المصابين عندما يصبح عددهم أكبر من قدرة الإنقاذ، فتُتخذ قرارات مؤلمة بشأن من يمكن إنقاذه ومن يجب تأجيله. منذ العنوان، يعلن الكتاب أن البشرية دخلت مرحلة لم تعد فيها الكارثة استثناءً، بل أصبحت هي النظام.
تضع رانكين مفتاح القراءة في الإهداء الفكري الذي يسبق النص: كل لغة هي شكل من أشكال الفرز. فاللغة لا تستطيع احتواء العالم كله، بل تختار دائمًا ما يظهر وما يختفي، وما يستحق التسمية وما يُترك في الظل. وهكذا يتحول الأدب نفسه إلى ممارسة أخلاقية: كيف نكتب في زمن الإبادة، ومن الذي تمنحه اللغة حق الظهور؟

هذه الفكرة تجعل الكتاب امتدادًا لمشروع رانكين كله، منذ Citizen وحتى Just Us، لكنه هنا يبلغ مرحلة أكثر راديكالية. لم تعد المشكلة هي العنصرية الأمريكية وحدها، ولا الحوار حول العدالة الاجتماعية، بل انهيار العالم نفسه بوصفه فضاءً مشتركًا للعيش.
من الناحية السردية، يعتمد الكتاب على شخصية غامضة تُدعى ببساطة “المنظّر”. لا تمنحه الكاتبة اسمًا، لأن المقصود ليس فردًا بعينه، بل شخصية فكرية تتحول إلى مرآة للأنا الكاتبة. تنشأ بين الاثنين علاقة لا تقوم على الحوار بقدر ما تقوم على ممارسة غريبة: كلما التقيا يسقطان معًا على الأرض. هذا “الانهيار” ليس مرضًا، ولا احتجاجًا مسرحيًا، ولا تمرينًا جسديًا، بل طقس وجودي يعيد تعريف معنى السقوط نفسه.

هنا يظهر أول إنجاز فلسفي للكتاب. فمنذ أفلاطون ارتبط التفكير بالوقوف والاستقامة والنظر إلى الأعلى، بينما ارتبط السقوط بالفشل أو الخطيئة أو الانحطاط. أما رانكين فتقلب هذه الاستعارة رأسًا على عقب. السقوط ليس علامة ضعف، بل الطريقة الوحيدة الصادقة للإقرار بثقل العالم. الوقوف، في كثير من الأحيان، ليس إلا شكلًا من أشكال الإنكار.
لهذا يهيمن على الكتاب سؤال واحد: كيف يمكن للجسد أن يعيش في عالم لا يستطيع العقل احتماله؟
ولهذا أيضًا يصبح الجسد لغةً. الجسد هو الذي ينهار عندما تعجز الكلمات.
في هذا المعنى يقترب الكتاب من فلسفة موريس ميرلو-بونتي أكثر مما يقترب من الأدب التقليدي. فالوعي لا يسبق الجسد، بل يتجسد فيه. غير أن رانكين تذهب أبعد؛ إذ تجعل الجسد أرشيفًا سياسيًا أيضًا. إنه يحمل آثار الاستعمار والعنصرية والمنفى والحروب، قبل أن يحمل أفكارها.
ولهذا تحضر أنتيغون طوال الكتاب بوصفها الشخصية المركزية. ليست أنتيغون مجرد مرجع كلاسيكي، بل نموذج للإنسان الذي يرفض النظام حين يصبح القانون نفسه أداة للموت. رانكين تستدعيها مرارًا، وتدخل في حوار مع قراءة هيغل لها، كما تستعين بجوديث بتلر التي أعادت التفكير في أنتيغون باعتبارها شخصية تكشف حدود الدولة الحديثة.

لكن أهمية أنتيغون هنا لا تكمن في العصيان فقط، بل في حق الحداد. فالكتاب كله يتمحور حول سؤال الحداد في عصر الإبادة. من الذي يُسمح بالحزن عليه؟ ومن الذي يتحول موته إلى رقم؟
من هنا يدخل الكتاب في حوار غير مباشر مع أعمال جوديث بتلر حول “الحياة الجديرة بالحزن”، ومع سعيدية هارتمان حول الذاكرة السوداء، ومع هومي بابا وستيوارت هول حول الاستعمار والهوية. غير أن رانكين لا تعرض هذه النظريات بوصفها دروسًا أكاديمية، بل تجعلها جزءًا من النسيج الأدبي نفسه. الاقتباسات لا تقطع السرد، وإنما تتحول إلى شخصيات إضافية داخله.
ومن أكثر أجزاء الكتاب أهمية تلك المتعلقة بفلسطين. فالمنظّر فلسطيني خرج من رام الله، ويصف حياته بوصفها ولادة داخل الاحتلال والحرب والفصل العنصري. لا تُستخدم فلسطين هنا بوصفها استعارة، بل بوصفها تجربة تاريخية ملموسة تُعيد تعريف معنى العيش نفسه. تقول الشخصية إنها وُلدت في الاحتلال، وإن الجري لا ينقذ أحدًا، لأن الحرب ترافق الإنسان أينما ذهب.

هذه الصفحات تجعل فلسطين مركزًا أخلاقيًا للكتاب، لا موضوعًا سياسيًا عابرًا. فهي المثال الذي يتكثف فيه سؤال الكتاب كله: ماذا يعني أن تستمر الحياة داخل نظام يجعل الموت هو الوضع الطبيعي؟
ومع ذلك، لا تنحصر رانكين في القضية الفلسطينية. فالكتاب ينتقل بين الحروب والكوارث المناخية والانهيارات البيئية والعنف العنصري والاغتراب الشخصي، ليؤكد أن هذه كلها ليست أزمات منفصلة، بل أعراض لعالم واحد فقد توازنه.
ولهذا يكثر حضور صور الأنقاض، والأجساد، والأرائك، والأرض، والهواء، والتنفس. فالكتاب لا يكتفي بالكتابة عن الخراب، بل يجعل القارئ يشعر بثقله الفيزيائي. حتى الصور الفوتوغرافية والأعمال الفنية المضمنة في الصفحات ليست زينة بصرية، وإنما امتداد للنص، وكأن الكلمة وحدها لم تعد تكفي.

أسلوبيًا، يمثل Triage أحد أكثر النصوص الأمريكية طموحًا في العقد الأخير. الجملة طويلة، تتدفق مثل تيار وعي، لكنها لا تنتمي إلى تيار الوعي التقليدي. إنها أقرب إلى تأمل فلسفي يتوقف ثم يعود، يكرر الكلمات، ويعيد صياغة الأفكار من زوايا متعددة. التكرار ليس ضعفًا بل إيقاعًا. فالسقوط نفسه يتكرر، كما تتكرر الصدمة، وكما يعود الحداد مرة بعد أخرى.
وهذا الأسلوب يفرض على القارئ إيقاعًا بطيئًا. لا يمكن قراءة الكتاب بسرعة، لأن النص يقاوم الاستهلاك. إنه يريد للقارئ أن يتوقف كما يتوقف الجسد الساقط.
وربما هنا تكمن نقطة قوة الكتاب ونقطة ضعفه في آن واحد.
فقوته تكمن في أنه ينجح في تحويل الأدب إلى تجربة فكرية كاملة، لا إلى قصة تُروى. أما ضعفه فيكمن في أن كثافة الإحالات الفلسفية والأدبية قد تجعل بعض المقاطع أقرب إلى المقال النظري منها إلى الأدب، خصوصًا لمن لا يعرف شبكة المراجع التي يستند إليها النص.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار يبدو مقصودًا. فالكتاب يريد أن يكون مختبرًا للتفكير، لا مجرد عمل روائي.
إذا أردنا وضع Triage داخل تاريخ الأدب الأمريكي، فإنه يقف في تقاطع نادر بين شعر والت ويتمان، وتجريب سوزان سونتاغ، وتأملات جيمس بالدوين، وشهادة محمود درويش، ونظرية جوديث بتلر، مع حساسية شعرية خاصة بكلوديا رانكين.
في النهاية، لا يقدّم Triage حلولًا، ولا يعد بالخلاص. إنه يرفض حتى فكرة النهاية المريحة. ما يقدمه هو شيء أصعب: تدريب على البقاء يقظين أمام عالم يتداعى، وعلى الاعتراف بأن الحداد ليس نقيض الحياة، بل أحد شروطها.
ولهذا فإن الكتاب ليس مجرد عمل أدبي، بل وثيقة فلسفية عن القرن الحادي والعشرين؛ قرنٍ لم يعد السؤال فيه: كيف نعيش؟ بل أصبح: كيف نستمر في الاعتراف بإنسانيتنا بينما يتحول العالم كله إلى غرفة فرز طوارئ؟
أهمية الشخصية الفلسطينية ودلالاتها في «Triage»
الشخصية الفلسطينية، التي تسميها كلوديا رانكين ببساطة «المنظّر»، ليست شخصية ثانوية أُضيفت لإدخال القضية الفلسطينية إلى النص، بل هي أحد قطبيه الأساسيين. ومن خلالها تتحول فلسطين من موضوع سياسي إلى مفتاح لفهم العالم الذي تصفه رانكين: عالمٌ لا يقع فيه الانهيار مرة واحدة، بل يُفرَض على بعض الناس بوصفه شرطًا يوميًا للحياة.
فلسطين بوصفها خبرة لا استعارة
تحرص رانكين على إعطاء الشخصية تاريخًا ملموسًا: خرجت من رام الله في الثامنة عشرة، وعاشت الحواجز وعنف المستوطنين والعدالة العسكرية الاستعمارية. وهي لا تقول إنها عاشت حربًا انتهت، بل تصوغ حالتها بصيغة مستمرة: وُلدنا داخل الاحتلال والفصل العنصري والحرب؛ الحرب واقعة علينا. لذلك لا يكون المنفى خلاصًا، لأن المسافة لا تلغي مصدر الخطر: يذهب الفلسطيني بعيدًا، لكن «كل مكان» يصبح استمرارًا للمكان الذي هرب منه.

هذه الدلالة مهمة جدًا، لأن الرواية لا تستخدم فلسطين استعارة عامة للمعاناة البشرية، ولا تذيبها في خطاب فضفاض عن الألم. الاحتلال هنا بنية محددة تنتج الحواجز والاقتلاع والمنفى ومنع العودة. غير أن التجربة الفلسطينية، بسبب حدّتها، تكشف حقيقة أوسع: يمكن للإنسان أن يغادر مكان العنف جسديًا من دون أن يغادر نظامه النفسي والتاريخي.
الفلسطيني بوصفه منفيًا من المكان والزمن
تتمثل مأساة الشخصية في أنها ليست محرومة من البيت فقط، بل من الزمن الطبيعي للبيت. فالوطن ليس ذكرى مستقرة يمكن حملها بسهولة، والعودة ليست فعلًا مضمونًا. حين تتأمل الراوية نداء الشخصية وانهيارها، تربطه بالعودة إلى منزل حُرمت منه، ثم تذكر بصورة مباشرة غياب حق العودة. وهكذا يصبح السقوط نداءً إلى مكان لا يستطيع الجسد الوصول إليه.

لاحقًا نعلم أن الشخصية تعيش رسميًا في تلال بيركلي، لكنها تقيم كثيرًا في أوروبا لأن فرنسا أقرب إلى بيت طفولتها في رام الله، وتعود إلى أهلها عبر مسارات سفر أقل تعقيدًا. حتى الزيارة العائلية تخضع لحسابات المطارات والحدود والخسارة.

لذلك لا يمثل المنفى انتقالًا من وطن إلى وطن بديل، بل إقامة دائمة في الوسط: بيت في أميركا لا يُسكن تمامًا، وبيت في فلسطين لا يمكن الوصول إليه بحرية. الشخصية موجودة في أماكن عدة، لكنها لا تملك مكانها كاملًا.
تجسيد معنى «الانهيار»
المفهوم المركزي في الكتاب هو collapse، أي الانهيار أو السقوط. مع الشخصية الفلسطينية يكتسب هذا المفهوم بعدًا تاريخيًا وسياسيًا. فالانهيار ليس اضطرابًا داخليًا منفصلًا عن الواقع، بل استجابة جسدية لعالم يحتل الأرض ويغلق الحدود ويحوّل الإنسان إلى فريسة محتملة.
حين تسقط الراوية والمنظّر معًا، لا يعيدان تمثيل موتهما الشخصي، بل يجعلان الأجساد تُظهر «حصيلة ما فُعل». إنهما يسقطان لأنهما، بمعنى أعمق، قد أُسقطا مسبقًا بواسطة تاريخ العنف. والسقوط يكشف عن الموتى غير المدفونين وعن الخسارات التي يرفض النظام الاعتراف بها.

الشخصية الفلسطينية تمنع إذن مفهوم الانهيار من التحول إلى استعارة نفسية مجردة. فهي تربطه بالأرض والحواجز والاستعمار والتهجير. العالم لا «يشعر» بالانهيار فحسب؛ ثمة قوى سياسية تُسقط الأجساد فعلًا، وتحرمها من الأرض والعودة والدفن والحداد.
أنتيغون الفلسطينية
ترتبط الشخصية ارتباطًا وثيقًا بأنتيغون. ففي مأساة سوفوكليس، تتمرد أنتيغون على الحاكم كريون لأن قانون الدولة يمنعها من دفن أخيها. وفي كتاب رانكين، يصبح الفلسطيني قريبًا من أنتيغون لأنه يواجه سلطة لا تكتفي بالقتل، بل تتحكم أيضًا في الاعتراف بالموتى وفي حق دفنهم والحداد عليهم.
ترى الراوية في الشخصية الفلسطينية أنتيغون الخاصة بها. لكن هذا التشبيه لا يعني تحويل الفلسطيني إلى بطل أسطوري مفصول عن واقعه، بل وضع الاحتلال أمام سؤال أنتيغون القديم: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح القانون نفسه أداةً لمنع العدالة؟
الأرض هنا مزدوجة الدلالة. هي الوطن المسلوب، لكنها أيضًا التراب الذي يُدفن فيه الموتى. لذلك يجمع السقوط على الأرض بين الرغبة في العودة، وحق الدفن، والحداد، ومقاومة سلطة تريد إبقاء الضحايا بلا قبر ولا رواية.
ضمير الفعل في مواجهة المتفرج
تؤدي الشخصية الفلسطينية وظيفة أخلاقية حاسمة في علاقتها بالراوية. فالراوية تميل أحيانًا إلى التأمل والصمت والمشاهدة، بينما يصر المنظّر على أن المعرفة التي لا تتحول إلى فعل لا تكفي. يذكّرها بالاحتجاجات، وبإمكان الانضمام إلى الحركات السياسية، وبأن محدودية النتائج لا تبرر السكون.

من هنا تمثل الشخصية قلق الضمير داخل النص. إنها لا تسمح للأدب بأن يكتفي بجمال التعبير عن الألم. وتسأل بصورة ضمنية: ما قيمة اللغة التي تسمّي المذبحة لكنها لا تفعل شيئًا تجاهها؟
غير أن رانكين لا تجعل الشخصية منتصرة في هذا الجدال بصورة سهلة. فالمنظّر نفسه يعاني الإنهاك والشعور بأن العالم صار «أكثر مما يمكن احتماله». إنه يدعو إلى الفعل، لكنه يحمل داخله حدود الفعل أيضًا. ولذلك لا يمثل البطولة المكتملة، بل التوتر بين المقاومة والاستنزاف.
العلاقة بين التجربة الفلسطينية والتجربة السوداء
تنشئ رانكين بين الراوية السوداء والشخصية الفلسطينية أخوّة مختلقة. الاثنتان ليستا شقيقتين بيولوجيتين، لكن السقوط المشترك يصنع بينهما قرابة أخرى، قرابة الخضوع للعنف والإقصاء. ومع ذلك، لا تدّعي الكاتبة أن التجربتين متطابقتان. فهي تشير إلى اختلاف تاريخهما وإلى انعدام الثقة الذي يبقى حاضرًا بين شخصين أنهكهما العنف بطرق مختلفة.

هذه نقطة بالغة الدقة. التضامن عند رانكين لا يعني صهر فلسطين والتجربة السوداء في قصة اضطهاد واحدة، بل الوقوف معًا مع الاعتراف بأن كل تجربة تحتفظ بخصوصيتها. لذلك يصبح ضمير «نحن» مشكلة فلسفية: كيف يمكن تكوين جماعة بين متألمين مختلفين، من دون استحواذ أحدهما على ألم الآخر؟
السقوط المشترك هو جواب مؤقت. إنهما لا تدّعيان امتلاك تجربة واحدة، لكنهما تشهدان سقوط بعضهما بعضًا.
تفكيك صورة «العربي الخطر»
تتعرض الشخصية أيضًا للطريقة التي يعيد بها الغرب تأطير الضحية بوصفها خطرًا. يشير النص إلى أن العربي يُوضع داخل «إطار الإرهابي»، كما يُختزل الأسود في مادة النظرة البيضاء والمرأة في خيال الآخرين. بذلك توضح رانكين أن السلطة لا تكتفي بإيذاء الإنسان، بل تنتج اللغة التي تجعل إيذاءه مقبولًا.

وهذه إحدى الصلات العميقة بعنوان الكتاب. فالفرز لا يحدث في المستشفى فقط، بل في السياسة والإعلام واللغة: تُصنّف بعض الحيوات على أنها قابلة للحماية، فيما تُصنف حيوات أخرى على أنها مشبوهة أو فائضة أو غير جديرة بالحزن.
الشخصية الفلسطينية هي مَن يكشف عنف هذا الفرز بأوضح صورة، لأنها تتحول داخل الخطاب الاستعماري من إنسان يتعرض للاحتلال إلى «تهديد» يُستعمل لتبرير احتلاله.
نقد الفهم الليبرالي للتعاطف
في أحد أهم الحوارات، تقول الراوية للشخصية إنها تفهم ما تشعر به، فيأتي الرد بأن الوطن ليس شيئًا يحمله الإنسان معه، وأنه لا يمكن أن يوجد هذا النوع السهل من الفهم. هذه الإجابة تقطع الطريق على التعاطف المريح الذي يظن أن الاستماع أو الاعتراف بالألم يكفيان.
دلالة ذلك أن المنفى الفلسطيني لا يمكن اختزاله في تجربة نفسية يستطيع الآخر تخيلها. ففقدان البيت ليس شعورًا فقط، بل علاقة سياسية بالأرض وبالسيادة وبحق العودة. والفهم الأخلاقي، مهما كان صادقًا، لا يعيد المكان ولا يفتح الحدود.
لذلك تحذر الشخصية من تحويل التضامن إلى استهلاك وجداني لمعاناة الآخر. المطلوب ليس الادعاء بأننا نشعر بما يشعر به، بل الاستجابة لما يكشفه ألمه من ظلم.
الشخصية الفلسطينية بوصفها معيارًا لصدقية الكتاب
وجود هذه الشخصية يضع الكاتبة نفسها تحت الاختبار. هل تستعمل فلسطين لتغذية تأملاتها الخاصة، أم تسمح للفلسطيني بأن يقاوم استيعابه داخل سرديتها؟
رانكين تعالج هذا الخطر بإبقاء الشخصية عصية على الامتلاك. لا تمنح الراوية نفسها حق تفسيرها كاملًا، ولا تجعل العلاقة بينهما متصالحة تمامًا. تبقى بينهما مسافات وعتب وصمت وتوقعات متبادلة لا يستطيع أي منهما الوفاء بها. وبذلك لا تتحول الشخصية الفلسطينية إلى رمز شفاف أو أداة لخدمة نمو الراوية، بل تحتفظ بصلابتها واختلافها.
حتى تسمية الشخصية بـ«المنظّر» تؤدي دورًا مهمًا: فهي ليست موضوعًا للملاحظة الغربية، بل ذاتًا تنتج الفكر وتحاكم العالم وتحاكم الراوية نفسها. الفلسطيني هنا لا يقدّم «شهادة معاناة» فقط، بل يفسر ويجادل ويطالب بالفعل.
الخلاصة
تكمن أهمية الشخصية الفلسطينية في أنها تجمع طبقات الكتاب الكبرى في نقطة واحدة: الاحتلال والمنفى، الجسد والانهيار، أنتيغون وحق الدفن، اللغة والفعل، التضامن والاختلاف، الوطن وحق العودة.
فلسطين في Triage ليست مثالًا إضافيًا في قائمة كوارث العالم، بل الحالة التي تكشف خلل نظام الفرز الأخلاقي العالمي: بعض الأجساد تُنقذ، وبعضها تُترك تحت الأنقاض؛ بعض الموتى يُحزن عليهم، وبعضهم يُمنعون حتى من امتلاك أسماء وقبور.
لذلك يمكن القول إن «المنظّر» هو الضمير المضاد للفرز داخل الكتاب. إنه يذكّر الراوية والقارئ بأن الألم ليس متساوي التوزع، وأن الانهيار ليس قدرًا طبيعيًا، وأن وراءه احتلالات وحدودًا وقوانين وقرارات بشرية. كما يذكّرهما بأن الاعتراف بالسقوط لا يكفي وحده: ينبغي أن يتحول إلى رفض، وإلى تضامن، وإلى فعل، حتى عندما تبدو القدرة على تغيير العالم ضئيلة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com