عندما تنفد صواريخ الإمبراطورية: إيران وأزمة القوة الأميركية
كتب باسم الموسوي
ثمة صورة قديمة للقوة الأميركية لا تزال تحكم قدراً كبيراً من التفكير السياسي في العالم: الولايات المتحدة تستطيع أن تخوض الحرب متى شاءت، وأن توسّعها متى أرادت، وأن ترفع سقف الضربات إلى أن يرضخ خصمها. يقوم هذا التصور على مشاهد مألوفة منذ حرب الخليج: حاملات طائرات، قاذفات استراتيجية، أقمار اصطناعية، صواريخ دقيقة، تفوق جوي مطلق، ومجمع صناعي عسكري يبدو كأنه قادر على إنتاج الحرب بلا نهاية. لكن الحروب الطويلة تفعل شيئاً لا تفعله الاستعراضات العسكرية. إنها تحوّل القوة من صورة إلى حساب، ومن تقنية إلى مخزون، ومن هيبة إلى سؤال شديد البساطة: كم صاروخاً بقي لديك؟
هذا بالضبط هو السؤال الذي يخرج من التحقيق الذي نشرته «ذا أتلانتيك» بقلم نانسي أ. يوسف وجوناثان ليمير حول أزمة الذخائر الأميركية بعد خمسة أشهر من الحرب مع إيران. وما يمنح التحقيق أهميته ليس فقط المعلومات التي ينقلها عن تراجع بعض المخزونات الأميركية إلى مستويات مقلقة، بل ما يكشفه عن انقلاب أعمق في طبيعة الحرب نفسها. فالمشكلة التي تواجه واشنطن لم تعد أنها عاجزة عن توجيه ضربة إلى إيران. هي قادرة بالطبع. المشكلة أن كل ضربة تفتح دورة جديدة من الرد، وكل رد إيراني يحتاج إلى صواريخ اعتراض أميركية باهظة الثمن، وكل يوم إضافي في الحرب يستهلك مخزوناً لا تستطيع المصانع الأميركية تعويضه بالسرعة ذاتها.
هنا يظهر الفارق بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها زمنياً. قد تمتلك الدولة أفضل منظومة دفاع جوي في العالم، لكن المنظومة تصبح محدودة القيمة عندما ينخفض عدد الصواريخ المتاحة لها. وقد تملك قاذفات لا ينازعها أحد في تفوقها، لكن قرار استخدامها يصبح أكثر تعقيداً عندما يعني إطلاقها احتمال وصول مئات الصواريخ والمسيّرات إلى قواعد منتشرة في الخليج والمنطقة.
وهذه، في الجوهر، إحدى المفارقات الكبرى للحرب الحالية. الولايات المتحدة متفوقة على إيران تكنولوجياً بفارق هائل، لكن إيران لا تحتاج إلى إلغاء هذا التفوق حتى تمنع واشنطن من تحويله إلى نتيجة سياسية. يكفي أن تجعل كلفة استخدامه تتزايد بمرور الوقت.
الحروب لا تُحسم دائماً بمن يمتلك السلاح الأفضل. أحياناً تُحسم بمن يستطيع إنتاج السلاح بكميات أكبر، وبكلفة أقل، وبسرعة أعلى من سرعة استهلاكه. هذه حقيقة عرفتها الحروب الكبرى دائماً، ثم حجبتها مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين اعتادت الولايات المتحدة خوض حروب ضد دول لا تمتلك القدرة على الرد بالمستوى نفسه. في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا كان يمكن للجيش الأميركي أن يطلق الذخائر وهو مطمئن إلى أن خطوطه الخلفية ومصانعه وقواعده ليست جزءاً مباشراً من المعركة.
مع إيران اختلف الأمر. كل ضربة أميركية تحمل في داخلها كلفة دفاعية لاحقة. فالصاروخ الإيراني لا يحتاج إلى إصابة هدفه حتى يحقق جزءاً من غايته. يكفي أحياناً أن يجبر الخصم على إطلاق صاروخ Patriot أو THAAD لاعتراضه. بذلك تتحول المعركة إلى اقتصاد سياسي للذخائر: ما كلفة الصاروخ المهاجم؟ ما كلفة الصاروخ المعترض؟ أي الطرفين يستطيع تصنيع المزيد؟ وأيهما يحتاج وقتاً أطول لتعويض ما أنفق؟
في هذه النقطة بالذات تصبح الحرب الصناعية أهم من الحرب الإعلامية. يمكن لوزير الدفاع الأميركي أن ينفي وجود نقص في الذخائر. ويمكن للرئيس دونالد ترامب أن يصف التقارير عن تراجع المخزون بأنها كاذبة أو خيانة. لكن المصانع لا تعمل بالتصريحات، والصاروخ الذي يحتاج سنوات لتوسيع خط إنتاجه لا يظهر فجأة لأن البيت الأبيض ينفي وجود مشكلة.
وفق التحقيق، قد تحتاج بعض المخزونات إلى سنوات لاستعادة مستوياتها السابقة، في حين لن يصل إنتاج منظومات حاسمة مثل Patriot إلى المستوى الذي يلبي الطلب قبل نهاية العقد تقريباً. وهذه ليست أزمة نشأت مع حرب إيران وحدها. لقد بدأت ملامحها تظهر بوضوح بعد حرب أوكرانيا، حين اكتشفت واشنطن أن مخزوناتها صُممت لعالم لم يعد موجوداً: عالم تقوم فيه الولايات المتحدة بخوض حرب قصيرة، ثم تحصل على سنوات من الهدوء لإعادة بناء المستودعات.
لكن العالم الفعلي جاء مختلفاً. أوكرانيا تستهلك الذخائر. إسرائيل تستهلكها. الحملة على اليمن استهلكتها. الاعتراضات الصاروخية المتكررة استهلكتها. ثم جاءت الحرب مع إيران لتضع الولايات المتحدة أمام خصم لا يبدو مستعداً لتقديم النهاية التي يحتاجها المخطط العسكري الأميركي.
وهنا ينبغي فهم الصمود الإيراني لا بوصفه شعاراً معنوياً، بل باعتباره استراتيجية مادية. صمود الدولة في الحرب يعني إبقاء الطرف الآخر داخل الزمن الذي لا يريده. الولايات المتحدة شديدة القوة في الضربة الأولى، وفي العمليات المركزة، وفي الاستخدام المكثف للتكنولوجيا. لكن السؤال الذي يصبح أكثر إحراجاً كلما طالت الحرب هو: ماذا يحدث في الشهر الخامس؟ وماذا عن الشهر الثامن؟ ماذا لو لم ينهَر الخصم؟ ماذا لو استطاع إعادة إنتاج الصواريخ والمسيّرات؟ ماذا لو احتفظ بالقدرة على ضرب القواعد والممرات البحرية والمنشآت الحيوية؟
عندها يبدأ التفوق الأميركي نفسه بالتحول إلى عبء. فكل منظومة متطورة تحتاج إلى سلسلة صناعية معقدة، ومكونات دقيقة، وشركات متعددة، وعقود طويلة الأمد. وفي المقابل يستطيع الخصم بناء جزء من استراتيجيته على الكثرة والبساطة النسبية والكلفة الأقل.
لا يعني ذلك أن إيران أصبحت أقوى عسكرياً من الولايات المتحدة. مثل هذا الاستنتاج سيكون ساذجاً. الفارق بين القوتين لا يزال هائلاً. لكن الاستراتيجية لا تسأل دائماً: من الأقوى؟ بل تسأل: هل يستطيع الأقوى فرض ما يريد؟ وهنا تقع المشكلة الأميركية الحقيقية.
واشنطن دخلت الحرب وهي تراهن، وفق منطق مألوف في العقوبات والحروب الأميركية، على أن اجتماع الضغط العسكري والاقتصادي سيضع طهران أمام لحظة انهيار أو تفاوض اضطراري. لكن التحقيق الأميركي نفسه يقول إن الإدارة فوجئت بقدرة إيران على الاحتمال. وهذه المفاجأة تتكرر في التاريخ الأميركي الحديث: تقدير أقل من اللازم لقدرة المجتمع والدولة المستهدفة على تحمّل الألم، وتقدير أعلى من اللازم لقدرة القوة الجوية والعقوبات على إنتاج إرادة سياسية جديدة لدى الخصم.
حين لا يتحقق الانهيار المتوقع، يصبح الزمن عدواً للقوة المهاجمة. وهذا ما يبدو أنه حدث. ترامب يريد إنهاء الحرب ليس لأنه فقد وسائل الهجوم، بل لأن الحرب بدأت تضيق المسافة بين ما يستطيع الجيش الأميركي فعله وما يستطيع النظام السياسي الأميركي تحمّله. أسعار الطاقة، الانتخابات النصفية، تراجع شعبية الحرب، قلق الكونغرس، واستنزاف الذخائر تتجمع جميعاً في نقطة واحدة: استمرار الحرب صار يكلف أكثر مما كان متوقعاً، من دون ضمان نتيجة أفضل.
لهذا تكتسب مسألة مضيق هرمز أهمية تتجاوز تفاصيل الملاحة. فواشنطن التي كانت ترفض الاعتراف بأي دور إيراني في إدارة المضيق تبدو، بحسب ما أورده التحقيق، مستعدة للنظر في صيغة تمنح إيران جزءاً من الدور الذي طالما رفضت الإقرار به. المغزى هنا ليس فقط أن المفاوضات عادت، بل أن الحرب قد تنتهي بتكريس بعض الوقائع التي كان يفترض أنها جاءت لإلغائها.
وهذه إحدى علامات الفشل الاستراتيجي الكلاسيكية: أن تبدأ الحرب لإجبار خصمك على التراجع عن موقع معين، ثم تجد نفسك بعد أشهر تبحث عن تسوية تعترف له بجزء من ذلك الموقع.
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى المؤسسة الأميركية قد يكون بعيداً عن إيران نفسها. فالصواريخ المستخدمة في الشرق الأوسط ليست موجودة في مستودع منفصل اسمه «مخزون إيران». إنها جزء من مخزون القوة الأميركية الشامل. وكل صاروخ يُستهلك هنا هو صاروخ لا يكون متاحاً في شرق آسيا.
لهذا يظهر شبح الصين وتايوان في خلفية النقاش. الاستراتيجية الأميركية في السنوات الأخيرة تقول إن التحدي المركزي هو الصين، وإن على الجيش أن يعيد توجيه موارده نحو المحيطين الهندي والهادئ. لكن الولايات المتحدة تجد نفسها في الوقت نفسه تستهلك بعض أكثر ذخائرها أهمية في الشرق الأوسط وأوروبا. وبذلك تنشأ مفارقة إمبراطورية مألوفة: اتساع الالتزامات يصبح سبباً في تراجع القدرة على الوفاء بكل التزام.
الإمبراطوريات لا تُهزم دائماً لأن خصماً واحداً يصبح أقوى منها. قد تبدأ أزمتها حين تصبح المسافة بين حجم طموحاتها وحجم مواردها أكبر مما تستطيع إدارته.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لأزمة الصواريخ الأميركية. القضية ليست نقصاً عابراً يمكن علاجه بإضافة بضعة مليارات إلى موازنة البنتاغون. فالمال يستطيع توقيع العقود فوراً، لكنه لا يستطيع اختصار سنوات بناء خطوط الإنتاج، ولا يستطيع تحويل مصنع ينتج مئات الصواريخ إلى مصنع ينتج آلافاً بقرار إداري.
لقد بنت الولايات المتحدة استراتيجيتها لعقود على افتراض التفوق النوعي. خصومها، في المقابل، تعلّموا بناء استراتيجيات تقوم على استنزاف هذا التفوق كمياً وزمنياً. المسألة تشبه إلى حد ما خصماً لا يحاول إسقاط ملاكم أقوى منه بضربة واحدة، بل يدفعه إلى جولات لا يريدها، حتى تصبح قوته نفسها مرهقة.
إيران، بهذا المعنى، لا تحتاج إلى الانتصار في كل مواجهة. يكفيها ألا تُهزم وفق الجدول الزمني الأميركي. كل أسبوع تبقى فيه قادرة على إطلاق الصواريخ، وكل شهر تستمر فيه مؤسسات الدولة بالعمل، وكل مرة تضطر فيها واشنطن إلى إنفاق ذخيرة دفاعية ثمينة، تغيّر شيئاً صغيراً في ميزان الحرب.
وفي لحظة معينة، تتراكم هذه الأشياء الصغيرة لتصبح حقيقة سياسية كبيرة: الدولة التي بدأت الحرب وهي تهدد خصمها بما ستفعله به، تبدأ بالسؤال عن كيفية الخروج منها.
وهذا ما يجعل تقرير «ذا أتلانتيك» مهماً. ليس لأنه يقول إن الولايات المتحدة فقدت قوتها. لم تفقدها. بل لأنه يبين حدود الشكل الذي اتخذته هذه القوة. واشنطن تستطيع التدمير أكثر من خصومها، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل القدرة على التدمير إلى قدرة على إخضاعهم. تستطيع إنتاج أسلحة أكثر تطوراً، لكنها قد لا تستطيع إنتاجها بالسرعة التي تتطلبها حرب استنزاف طويلة. تستطيع فتح جبهات كثيرة، لكنها لا تستطيع أن تجعل مواردها غير محدودة.
وفي النهاية، قد يكون أهم سلاح إيراني في هذه الحرب ليس الصاروخ الأسرع ولا المسيّرة الأبعد مدى، بل شيء أقل إثارة بصرياً: القدرة على البقاء داخل المعركة إلى أن تتحول وفرة القوة الأميركية إلى سؤال عن المخزون، ثم يتحول السؤال عن المخزون إلى سؤال عن الاستراتيجية، ويتحول سؤال الاستراتيجية أخيراً إلى بحث عن مخرج.
عند تلك النقطة لا يكون الصاروخ قد أصاب هدفاً عسكرياً فحسب. يكون قد أصاب إحدى المسلمات التي قامت عليها القوة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة: أن واشنطن تستطيع دائماً أن تصعّد أكثر من خصمها.
الحرب مع إيران تقول إن هذه المسلمة لم تعد مضمونة.

