حين تحوّلت الجغرافيا إلى سلاح: كيف غيّرت حرب هرمز موقع إيران في الخليج
كتب باسم الموسوي
لأعوام طويلة انحصر السؤال الغربي عن القوة الإيرانية في البرنامج النووي، وفي عدد أجهزة الطرد المركزي، وفي المدى الذي يفصل طهران عن امتلاك قدرة ردعية نووية مكتملة. لكن حرب الأشهر الخمسة الأخيرة أعادت صياغة السؤال بصورة أكثر بساطة وأشد قسوة: ماذا لو كانت إيران تمتلك أصلًا سلاحًا استراتيجيًا لا يحتاج إلى تخصيب اليورانيوم ولا إلى اختبار رأس حربي؟ هذا، في جوهره، ما تخلص إليه قراءة The Economist لمضيق هرمز. الجغرافيا نفسها تحولت إلى أداة قوة. موقع إيران، مقرونًا بقدرتها العسكرية، منحها ما تصفه المجلة بالسيطرة الفعلية على الممر الذي يعبره عادة نحو خُمس تجارة العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.
المسألة، بهذا المعنى، لم تعد قدرة إيران على إغلاق المضيق لساعات أو أيام. الأهم هو أن الحرب أثبتت أن طهران تستطيع جعل المرور في هرمز خاضعًا لحساباتها، وأن خصومها لا يملكون وسيلة سريعة ورخيصة لإلغاء هذه الحقيقة. قبل الحرب كان التهديد بإغلاق المضيق جزءًا من أدبيات الردع الإيرانية. بعد الحرب صار واقعًا جرى اختباره عمليًا، ومعه اختبرت دول الخليج والأسواق وشركات الشحن حدود قدرتها على الاحتمال.
كان الرهان الأميركي يقوم على أن هرمز «سلاح يستخدم مرة واحدة». ما إن تلجأ إيران إليه حتى تسارع الدول المتضررة إلى بناء خطوط أنابيب ومسارات وموانئ بديلة، فتتراجع قيمته الاستراتيجية. ونقلت المجلة عن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قوله بهذا المعنى، وعن توم باراك توقعه أن يصبح هرمز خلال عامين مسألة ثانوية. لكن الأرقام التي جمعتها المجلة تقود في الاتجاه المعاكس: بعض الاعتماد على المضيق يمكن تقليصه، لكن إلغاءه مسألة أخرى تمامًا.
قبل الحرب كان نحو خمسة عشر مليون برميل من النفط الخام يعبر هرمز يوميًا. السعودية دفعت خط الشرق ـ الغرب، الذي يصل حقولها بميناء ينبع على البحر الأحمر، إلى العمل بكامل طاقته تقريبًا، بعدما كان يستخدم قبل الحرب بجزء محدود من قدرته. الإمارات بدورها رفعت تشغيل خط حبشان ـ الفجيرة، فيما أعاد العراق تنشيط بعض مساراته نحو تركيا. وهناك مشروعات إضافية إماراتية وعراقية يمكن أن ترفع قدرة الالتفاف على المضيق خلال السنوات المقبلة. ومع ذلك تحسب The Economist أنه حتى بحلول عام 2030 سيظل نحو خمسة ملايين برميل يوميًا بلا مسار بديل.
لكن المشكلة ليست في حجم الأنابيب وحده. الجغرافيا لا تختفي عندما يُبنى خط جديد؛ بل تنتقل نقطة الاختناق من مكان إلى آخر. فالنفط الذي يصل إلى ينبع على البحر الأحمر ويُرسل نحو آسيا يحتاج غالبًا إلى المرور بباب المندب، حيث تشكل القدرات الحوثية عنصر ضغط إضافيًا. وحتى المسارات التي تعتمد قناة السويس أو خط سوميد المصري لا تعني خروج التجارة من دائرة المخاطر. ولذلك يذهب التحقيق إلى احتمال بقاء كلفة التأمين والتمويل مرتفعة حتى بعد بناء البدائل، لأن مجرد خطر استهداف البنية التحتية أو السفن يكفي لتغيير حسابات السوق.
وهنا تظهر إحدى نتائج الحرب التي يصعب فصلها عن شبكة التحالفات الإقليمية لإيران. ما يبدو في الخرائط النفطية حلًا لتقليص الاعتماد على هرمز قد ينقل الاعتماد إلى باب المندب. أي إن المشكلة بالنسبة إلى خصوم طهران لم تعد ممرًا واحدًا، بل بنية إقليمية من نقاط الاختناق التي يصعب تأمينها بالقوة العسكرية وحدها.
مع ذلك، يظل النفط الخام الحلقة الأسهل نسبيًا. المشتقات النفطية أكثر تعقيدًا. دول الخليج صدرت عبر هرمز في العام السابق قرابة خمسة ملايين برميل يوميًا من البنزين والديزل وغيرها، ولا توجد خطوط برية قادرة حاليًا على استيعاب هذه الكميات. يمكن إرسال الشاحنات، كما فعل العراق عبر سوريا، لكن المثال نفسه يوضح حدود الحل: ارتفاع الحركة من عشر شاحنات يوميًا إلى نحو ألف لا يحول النقل البري إلى بديل اقتصادي للناقلات البحرية.
أما الغاز الطبيعي المسال القطري فهو نقطة الضعف الأكثر وضوحًا. لا يوجد خط بديل جاهز، ولا مشروع قريب قادر على استيعاب الكميات المطلوبة. وحتى إنشاء أنابيب غاز إلى عُمان لن يحل المشكلة كاملة، لأن الأمر لا يتعلق بنقل الغاز فقط، بل بإعادة إنشاء منشآت تسييل ضخمة على ساحل بحر العرب. وبحسب حسابات التحقيق، فإن حجم البنية المطلوبة سيكون هائلًا إلى درجة تجعل البديل بعيدًا ومكلفًا للغاية.
بهذا يصبح تفاوت مواقف دول الخليج تجاه إيران مفهومًا. ليست درجة الاعتماد واحدة. قطر أكثر انكشافًا أمام ورقة هرمز، والإمارات أقل اعتمادًا نسبيًا بفعل خط الفجيرة، والسعودية تملك منفذ البحر الأحمر. ولذلك لا تنتج الأزمة موقفًا خليجيًا موحدًا بالضرورة. وتقول المجلة إن قطر أبدت استعدادًا لقبول رسوم مؤقتة للعبور، فيما بدأت الإمارات، رغم موقفها الأكثر تشددًا، إعادة بعض التجارة مع إيران وفتح قنوات دبلوماسية معها.
لكن الأخطر بالنسبة إلى خصوم إيران أن المسألة لا تتعلق بالطاقة وحدها. دول الخليج نفسها تعتمد على المضيق في الحصول على جزء كبير من احتياجاتها اليومية. تشير بيانات التحقيق إلى أن الدول العربية الخليجية تستورد نحو 95 في المئة من حاجتها إلى الحبوب. نقل هذه الكميات عبر البر ليس مسألة بسيطة: سفينة واحدة من فئة باناماكس تحمل نحو ستين ألف طن من الحبوب، أي ما يعادل حمولة ألفي شاحنة تقريبًا. بناء السكك الحديدية يمكن أن يساعد، لكنه يحتاج سنوات واستثمارات بعشرات المليارات.
ثم تأتي الحاويات والأدوية والغذاء الطازج والأجهزة والسلع الاستهلاكية. ميناء جبل علي، أكبر موانئ المنطقة وأحد أكبر الموانئ في العالم، يقع داخل الخليج، أي خلف مضيق هرمز. أما الموانئ الكبيرة خارجه، مثل جدة، فطاقتها أصغر بكثير وكانت أصلًا تعمل بالقرب من حدودها قبل الحرب. وهكذا تكشف الأزمة حقيقة نادرًا ما تظهر في النقاش السياسي: هرمز ليس شريانًا لصادرات النفط فقط، بل أحد شروط الحياة الاقتصادية اليومية لدول الخليج.
لهذا تبدو فكرة أن القصف الأميركي يستطيع «فتح» المضيق بالقوة أقل إقناعًا كلما اقترب التحليل من الاقتصاد الحقيقي. لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات السفن أو إغلاق الممر بسلسلة حديدية. يكفي أن يبقى احتمال الاستهداف قائمًا حتى ترتفع أقساط التأمين، وتتردد شركات الشحن، ويصبح المرور الطبيعي مستحيلًا. وقد خلصت افتتاحية The Economist نفسها إلى أن القنابل الأميركية لم تستطع ضمان حركة السفن، وأن المخرج الواقعي يمر عبر اتفاق سياسي، مهما بدا غير مستساغ لخصوم طهران.
لكن التحول الأهم لا يكمن في قدرة إيران على الإغلاق، بل في احتمال انتقالها من منطق التعطيل إلى منطق الإدارة. فقد تحدث مسؤول إيراني في الخامس من آب عن اتفاق على مسار عبور مع عُمان، فيما تبحث طهران في أشكال مختلفة لفرض رسوم على السفن. الرقم الذي تحدث عنه نائب إيراني، أي مليون ونصف إلى مليوني دولار لكل سفينة، يمكن أن ينتج نظريًا عشرات مليارات الدولارات سنويًا، لكن المجلة تعتبره غير قابل للاستمرار. التقديرات الأكثر تحفظًا تضع الإيرادات المحتملة في حدود ملياري إلى ثلاثة مليارات دولار سنويًا.
إلا أن التركيز على المال قد يضيع جوهر التحول. الهدف الاستراتيجي، كما يستنتج التحقيق، قد لا يكون تعظيم الرسوم أصلًا. الأهم أن تصبح إيران «حارس البوابة»: أن يتحول الاعتراف بقدرتها العسكرية إلى نظام تصاريح أو ترتيبات خدمات بحرية أو إطار مشترك مع عُمان. عندها تنتقل طهران من القول «أستطيع منعكم من المرور» إلى وضع أكثر قوة واستدامة: «لا يمكنكم تنظيم المرور من دون اتفاق معي».
ثمة مفارقة هنا. لكي تنجح إيران في تحويل هرمز إلى مصدر دخل ونفوذ دائم، فهي تحتاج إلى قدر من الاستقرار والسلام. شركات الشحن تستطيع قبول رسم معروف ومنتظم إذا ظل أقل من كلفة المخاطر والطرق البديلة. لكن هذا النظام يحتاج في الوقت نفسه إلى بقاء التهديد الإيراني ذا صدقية، وإلا ستختبر بعض السفن إمكان العبور من دون دفع. ولذلك تجد طهران نفسها أمام معادلة دقيقة: سلام كافٍ لعمل التجارة، وردع كافٍ لعمل النظام الذي تريد فرضه.
في الأمد الأبعد ستتراجع بعض عناصر القوة الإيرانية. ارتفاع الأسعار سيشجع إنتاجًا جديدًا في الأميركيتين ومناطق أخرى، وستتوسع طاقات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وستجد الاقتصادات الكبرى بدائل جزئية. ولذلك تتوقع المجلة أن يضعف تأثير إيران في الأسعار العالمية قبل نهاية العقد. لكن ذلك لا يعني زوال قدرتها على التأثير في جوارها الخليجي. وهذه بالضبط هي المفارقة: قد يخسر هرمز بعض قيمته كسلاح عالمي، لكنه يبقى سلاحًا إقليميًا استثنائيًا.
لقد دخلت الحرب، وفق هذا المنطق، من أجل تغيير ميزان القوة مع إيران، لكنها أنتجت في هرمز اعترافًا جديدًا بقوة إيران. ليس لأن إيران أصبحت أقوى من الولايات المتحدة عسكريًا، بل لأن القوة في السياسة الدولية لا تُقاس بعدد الطائرات والصواريخ وحدها. أحيانًا يكفي أن تملك الجغرافيا المناسبة، وأن تستطيع جعل كلفة تجاوزها أعلى من كلفة التفاهم معك.
وهذا هو المعنى الأعمق للجملة التي ختمت بها The Economist تحقيقها: إن السهولة التي حصلت بها إيران على «سلاحها الجديد» صدمت خصومها، وإن قبضتها على هرمز تبدو مرشحة لأن تعيش أطول من الحرب نفسها.
ربما تكون الحرب قد أضعفت جوانب كثيرة من القوة الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه كشفت أصلًا استراتيجيًا لا يمكن تدميره بغارة جوية: إيران ليست دولة تقع قرب مضيق هرمز فحسب؛ إنها دولة تستطيع، في ظروف معينة، تحويل وجودها على المضيق إلى جزء من نظام القوة في الخليج. وهذه هي النقلة التي تجعل سؤال ما بعد الحرب مختلفًا تمامًا عن سؤال ما قبلها: لن يكون السؤال فقط كيف يُفتح هرمز، بل من يملك حق تقرير قواعد المرور فيه، وبأي ثمن، وتحت أي توازن إقليمي جديد.

