الهجرة المعاكسة تتسارع.. والكفاءات في مقدمة المغادرين

تطرح أرقام جديدة تساؤلات متزايدة حول اتساع ظاهرة الهجرة المعاكسة، بعدما غادر نحو 150 ألف شخص إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية، وفق تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز“، في وقت تشير فيه دراسات إلى ارتفاع أعداد المغادرين من أصحاب الكفاءات في مجالات التكنولوجيا والطب والهندسة والعلوم.

وتأتي هذه الأرقام في ظل سنوات من الحرب والتوتر الأمني والانقسام السياسي وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي عوامل دفعت شرائح من المجتمع إلى التفكير في بناء حياة خارج البلاد، بينما باتت ظاهرة مغادرة أصحاب المهارات العالية تثير قلقاً اقتصادياً وديموغرافياً متزايداً.

وبحسب التقرير، سجل صافي الهجرة عجزاً خلال عامي 2023 و2024، في ظاهرة وصفها أستاذ الديموغرافيا الفخري في الجامعة العبرية بالقدس سيرجيو ديلا بيرغولا بأنها استثنائية، باعتبار أنها تمثل أول رصيد سلبي مستمر للهجرة خلال سنوات متتالية منذ نحو قرن.

150 ألف مغادر خلال ثلاث سنوات

150 ألف إسرائيلي غادر الأراضي الفلسطينية المحتلة في أكبر هجرة عكسية من نوعها
150 ألف إسرائيلي غادر الأراضي الفلسطينية المحتلة في أكبر هجرة عكسية من نوعها

تشير بيانات أوردتها “فايننشال تايمز” إلى أن نحو 150 ألف شخص غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما قدرت دراسة أجراها باحثون من جامعة تل أبيب أن نحو 100 ألف شخص غادروا خلال عامي 2023 و2024 وحدهما.

ورجحت الدراسة مغادرة ما بين 45 ألفاً و50 ألف شخص خلال عام 2025، بما يعكس استمرار الاتجاه الصاعد للهجرة إلى الخارج.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى التاريخ الديموغرافي، إذ كانت الهجرة إلى إسرائيل لعقود طويلة أحد المحركات الأساسية لنمو السكان، بينما تشير التطورات الأخيرة إلى تغير واضح في اتجاه الحركة السكانية.

كيف بدأت موجة الرحيل؟

كيف بدأت موجة الرحيل؟
كيف بدأت موجة الرحيل؟

لم تظهر الهجرة المعاكسة نتيجة عامل واحد، وفق المعطيات التي أوردها التقرير، بل جاءت نتيجة تراكم مجموعة من العوامل السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

وبدأت موجة الخروج بالتصاعد مع الأزمة الداخلية التي أثارتها خطة حكومة بنيامين نتنياهو لإصلاح النظام القضائي في أوائل عام 2023، قبل أن تتسارع بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها واتساع نطاق الصراع إقليمياً.

وأظهرت مقابلات مع 71 شخصاً انتقلوا إلى الولايات المتحدة خلال عامي 2024 و2025 أن المناخ السياسي والاجتماعي كان من بين الأسباب الرئيسية لاتخاذ قرار الرحيل، إلى جانب المخاوف الأمنية والاقتصادية.

الانقسام السياسي يدفع نحو الخارج

الانقسام السياسي يدفع نحو الخارج
الانقسام السياسي يدفع نحو الخارج

تشير المعطيات إلى أن بعض الفئات العلمانية والليبرالية باتت تنظر بقلق إلى التحولات السياسية والاجتماعية، ولا سيما تصاعد نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة.

وترى بعض الأسر التي غادرت أن مستقبل أطفالها كان عاملاً أساسياً في قرار الانتقال، في ظل مخاوف من تغير طبيعة الحياة العامة وتبدل التوازنات السياسية والاجتماعية.

وبذلك لم تعد الهجرة المعاكسة مرتبطة فقط بالخوف من الحرب، وإنما أصبحت بالنسبة إلى بعض المغادرين خياراً مرتبطاً بنمط الحياة والمستقبل السياسي والاجتماعي أيضاً.

تكلفة المعيشة والعقارات عامل إضافي

تكلفة المعيشة والعقارات عامل إضافي
تكلفة المعيشة والعقارات عامل إضافي

على الجانب الاقتصادي، تشكل تكاليف المعيشة وأسعار العقارات المرتفعة سبباً إضافياً في قرارات الهجرة.

وتشير «فايننشال تايمز» إلى استمرار ارتفاع أسعار العقارات، خصوصاً في تل أبيب والقدس، ما جعل امتلاك منزل تحدياً كبيراً بالنسبة إلى بعض العائلات.

ونقل التقرير عن متخصص في العقارات انتقل إلى الولايات المتحدة مع عائلته أن تكلفة شراء شقة بمساحة 100 متر مربع في منطقة بتاح تكفا قرب تل أبيب قد تقترب من مليون دولار.

وبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، تمكن هو وزوجته خلال عام واحد من شراء منزل لم يكن بمقدورهما تحمل تكلفته في السابق، وفق ما نقلته الصحيفة.

الكفاءات أول المغادرين

الكفاءات أول المغادرين
الكفاءات أول المغادرين

لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق بعدد المغادرين فحسب، بل بهويتهم المهنية والعلمية.

وتشير دراسة لسلطة الضرائب إلى أن معدل مغادرة أصحاب الدخول المرتفعة، ومن بينهم العاملون في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية، كان خلال عامي 2023 و2024 أعلى بنحو الضعف مقارنة بعام 2019.

كما أظهرت دراسة أخرى لجامعة تل أبيب ارتفاع صافي التدفق إلى الخارج بين الأطباء والمهندسين والعاملين أو المتخصصين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والعلوم والهندسة والرياضيات.

وهنا تتحول الهجرة المعاكسة من قضية سكانية إلى تحدٍ اقتصادي مباشر، لأن خسارة أصحاب المهارات العالية تعني خسارة جزء من القوة البشرية التي يعتمد عليها الاقتصاد في قطاعات حيوية.

خسائر ضريبية بمليارات الدولارات

خسائر ضريبية بمليارات الدولارات
خسائر ضريبية بمليارات الدولارات

بحسب الدراسة التي نقلتها «فايننشال تايمز»، فإن استمرار معدلات مغادرة أصحاب الدخول المرتفعة بالمستويات الحالية قد يؤدي إلى خسائر في الإيرادات الضريبية تصل إلى 3.5 مليارات دولار سنوياً خلال خمس سنوات.

وتضع هذه التقديرات الهجرة في قلب النقاش الاقتصادي، خصوصاً مع ارتفاع النفقات الحكومية المرتبطة بالأمن والدفاع وتراجع القدرة على تحمل أعباء مالية إضافية.

التكنولوجيا الإسرائيلية أمام اختبار صعب

التكنولوجيا الإسرائيلية أمام اختبار صعب
التكنولوجيا الإسرائيلية أمام اختبار صعب

يعد قطاع التكنولوجيا المتقدمة من أكثر القطاعات التي يمكن أن تتأثر باستمرار نزيف الكفاءات.

ووفق التقرير، يمثل القطاع نحو خُمس الناتج الاقتصادي ونصف الصادرات، كما يعتمد بدرجة كبيرة على أصحاب المهارات العالية.

وبالتالي، فإن استمرار انتقال المهندسين والعاملين في التكنولوجيا والعلوم إلى الخارج قد ينعكس على قدرة الشركات على الحفاظ على الكفاءات، وعلى قدرة الاقتصاد على مواصلة النمو في أحد أهم قطاعاته.

التداعيات تصل إلى المؤسسة العسكرية

تداعيات الهجرة الاسرائيلية المعاكسة تصل إلى المؤسسة العسكرية
تداعيات الهجرة الاسرائيلية المعاكسة تصل إلى المؤسسة العسكرية

لا تتوقف آثار مغادرة أصحاب الكفاءات عند الاقتصاد، إذ يمكن أن تمتد إلى المؤسسة العسكرية أيضاً، في ظل اعتمادها على الخدمة الوطنية واستدعاء جنود الاحتياط.

كما يمكن أن يؤدي تقلص القاعدة الضريبية إلى زيادة صعوبة تمويل خطط الإنفاق الدفاعي المرتفعة، في وقت تتطلب فيه الظروف الأمنية موارد مالية وبشرية كبيرة.

وهكذا، فإن الهجرة المعاكسة قد تتحول من ظاهرة اجتماعية إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية وأمنية وديموغرافية متشابكة.

الحكومة تحاول استعادة المغادرين

الحكومة الإسرائيلية تحاول استعادة المغادرين
الحكومة الإسرائيلية تحاول استعادة المغادرين

في مواجهة هذه التطورات، بدأت الحكومة اتخاذ خطوات لتشجيع أصحاب المهارات العالية على العودة، من بينها إعفاءات ضريبية على بعض الدخول المكتسبة في الخارج وآليات لاحتساب الضرائب المدفوعة خارج البلاد.

كما تراهن السلطات على تحسن الوضع الأمني لإقناع بعض المغادرين بالعودة أو تشجيع مهاجرين جدد على الانتقال إلى البلاد.

لكن استعادة الذين غادروا قد لا تكون سهلة، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات التي بدأت بالفعل بناء حياة جديدة في الولايات المتحدة وأوروبا.

لماذا تبدو العودة صعبة؟

لماذا تبدو عودة المهاجرين الاسرائيليين صعبة؟
لماذا تبدو عودة المهاجرين الاسرائيليين صعبة؟

ينقل التقرير عن أحد الإسرائيليين الذين انتقلوا إلى الولايات المتحدة أن الحياة هناك لم تكن سهلة، لكنه رأى أن الشعور بالأمان وعدم الاضطرار إلى اللجوء إلى الملاجئ خلال الهجمات شكلا فارقاً كبيراً في جودة حياة عائلته.

ورغم عدم استبعاده العودة مستقبلاً، فإنه لا يرى في الوقت الحالي أن العودة هي الخيار الأفضل لمن يستطيع بناء حياة مستقرة في الخارج.

وهذا يعكس تحدياً أساسياً أمام محاولات وقف الهجرة المعاكسة: فالمغادرة قد تبدأ بسبب أزمة مؤقتة، لكنها يمكن أن تتحول مع الوقت إلى استقرار دائم في بلد آخر.

أوروبا تتحول إلى وجهة مفضلة

أوروبا تتحول إلى وجهة مفضلة للإسرائيليين المهاجرين
أوروبا تتحول إلى وجهة مفضلة للإسرائيليين المهاجرين

لا تقتصر حركة الهجرة على الولايات المتحدة، إذ يعيش نحو 200 ألف شخص من الإسرائيليين في أوروبا، وفق أرقام أوردتها «واشنطن بوست» العام الماضي.

كما حصل عدد من الإسرائيليين خلال السنوات الماضية على جوازات سفر ثانية من دول أوروبية، بينها ألمانيا وبولندا وإسبانيا والبرتغال، ما سهّل على بعضهم الانتقال والاستقرار خارج البلاد.

وفي مدن مثل لشبونة وبرلين، ظهرت مجتمعات إسرائيلية للمغتربين توفر المعلومات المتعلقة بالسكن والعمل والحياة اليومية للقادمين الجدد.

وتضم مجموعات على فيسبوك مخصصة للإسرائيليين في البرتغال وبرلين عشرات الآلاف من الأعضاء، ما يعكس وجود شبكات اجتماعية تساعد الراغبين في الانتقال على اتخاذ الخطوة.

هل تتحول الهجرة المعاكسة إلى أزمة طويلة الأمد؟

هل تتحول الهجرة المعاكسة الإسرائيلية إلى أزمة طويلة الأمد؟
هل تتحول الهجرة المعاكسة الإسرائيلية إلى أزمة طويلة الأمد؟

المؤشرات الحالية تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تمثل موجة الرحيل ظاهرة مؤقتة مرتبطة بالحرب والأزمات، أم أنها بداية تحول ديموغرافي طويل الأمد؟

فالخطر، وفق المعطيات الواردة في التقرير، لا يكمن فقط في مغادرة عشرات الآلاف، بل في أن يكون أصحاب الكفاءات والمهارات العالية من بين الفئات الأكثر ميلاً إلى الرحيل.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تواجه البلاد تحديات متزامنة في سوق العمل والاقتصاد والقطاع التكنولوجي والإيرادات الضريبية والقدرات البشرية، فيما ستصبح مهمة استعادة المغادرين أكثر صعوبة كلما طال استقرارهم في الخارج.

تكشف أرقام الهجرة المعاكسة عن تحول لافت في حركة السكان، مع تسجيل صافي هجرة سلبي خلال سنوات متتالية، ومغادرة عشرات الآلاف خلال فترة قصيرة.

لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق بعدد المغادرين وحده، بل بارتفاع نسبة أصحاب الكفاءات بينهم، خصوصاً الأطباء والمهندسين والعاملين في التكنولوجيا والعلوم.

وبينما تحاول الحكومة تقديم حوافز لإعادتهم، تبقى عوامل الأمن والسياسة والاقتصاد وتكاليف المعيشة عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت موجة الرحيل ستتوقف، أم ستتحول إلى هجرة معاكسة مستمرة تترك آثاراً أعمق على المجتمع والاقتصاد خلال السنوات المقبلة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com