في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو بؤر الصراع التقليدية و الحروب الإقليمية المستعرة، ثمة جبهة سريالية أخذت تتسع رقعتها في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تدفقت آلاف الفيديوهات والمواد التي توثق مشاهدات لأجسام طائرة مجهولة (UAP) و كائنات غريبة، متقاطعة بشكل مثير للجدل مع تصريحات علنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. إن تفكيك هذه الظاهرة بالأرقام، التواريخ، والوثائق الرسمية يكشف عن أبعاد أعمق بكثير من مجرد شغف شعبي بالخيال العلمي، ويقود مباشرة إلى ردهات صناعة القرار الجيو سياسي والغرف المظلمة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية.
آلاف الفيديوهات تم ضخها هذا العام وعلى منصات مختلفة بتواقيت غريبة ولأسباب مجهولة فما هي الرسالة؟
رفع السرية والتوقيت الاستراتيجي
رفع السرية والتوقيت الاستراتيجي
إن هذا التدفق المكثف للمواد الرقمية لا يتحرك في فراغ زمني، بل هو نتاج مباشر لقرارات تشريعية وضغوط سياسية حاسمة داخل العاصمة واشنطن:
مبادرة PURSUE (وزارة الحرب الأمريكية): بناءً على توجيهات ترامب، أطلقت وزارة الحرب بالتنسيق مع مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI) نظاماً رقمياً لرفع السرية عن الوثائق باسم PURSUE.
الأرقام والأثر الهيكلي: تم إطلاق الدفعة الأولى من الوثائق والفيديوهات في 8 مايو 2026، وتوالت الدفعات حتى الدفعة الرابعة في 10 يوليو 2026، والتي شملت الإفراج عن ملفات بحجم جيجابايتات من التقارير والملفات السرية، منها وثائق تعود للجنة الطاقة الذرية لعام 1952 وصور لمركبات أسطوانية مجهولة.
هذا التدفق الرسمي الصادر عن البنتاغون هو المغذي الأساسي والخلفية الحقيقية للحركة الكثيفة للفيديوهات عبر الإنترنت حالياً.
وسبق لمركز بيروت للأخبار أن نشر بعض من هذه الفيديوهات حيث حققت مشاهدات مليونية على انستاغرام وفيسبوك، ما دفعنا للبحث والتحقيق عن حقيقة هذه الفيديوهات ومن يقف خلها وما هي رسائلها؟
تتحرك خلف هذه الفيديوهات ثلاثة أطراف رئيسية بأهداف استراتيجية متباينة:
مكتب (AARO) التابع للبنتاغون: “مكتب حل الشذوذ في جميع المجالات” (All\text-domain\ Anomaly\ Resolution\ Office)، الذي أسسه الكونغرس لتوثيق هذه الظواهر. تقارير هذا المكتب—مثل التقرير التاريخي الصادر في مارس 2024 والتقارير اللاحقة—تؤكد فحص مئات الحالات وتثبت رقمياً أن 95% من المشاهدات هي بالونات طقس، طائرات بدون طيار (Drones)، أو ظواهر بصرية، وأنه لا يوجد أي دليل رسمي على تكنولوجيا خارج الأرض.
الحرب النفسية والاستخباراتية: توظف أجهزة الاستخبارات هذا الغموض كـ “ستار دخاني” (Smoke\ Screen)؛ حيث يساهم النشر المكثف في إخفاء التجارب العسكرية الأمريكية السرية للغاية لطائرات التجسس والمسيرات من الجيل القادم، وتحويل أنظار الرأي العام والإعلام الدولي من رصد تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى التفكير في “غزو فضائي”.
نظريات التضليل (Project Blue Beam): تداول منصات تابعة لجهات سياسية معينة لبعض فيديوهات الكائنات المفبركة يتقاطع مع فرضيات الحرب النفسية القديمة، مثل مشروع “بلو بيم” (الذي صاغه الصحفي سيرج موناستان في التسعينيات)، والذي يتحدث عن إمكانية استخدام تكنولوجيا الهولوغرام لترهيب الشعوب وصناعة عدو وهمي لتوحيد السيطرة السياسية.
الجغرافيا السياسية للظاهرة: لماذا ترامب وأمريكا؟
الجغرافيا السياسية للظاهرة: لماذا ترامب وأمريكا؟
تطرح هذه الظاهرة سؤالين محوريين حول هويتها الجغرافية والسياسية:
لماذا ترامب وليس بوتين؟ يوظف ترامب ملف “الشفافية الكاملة وكشف أسرار الدولة العميقة” كأداة شعبوية قوية لكسب الشارع الأمريكي وبناء الإثارة والتشويق عبر منصات مثل Truth Social، ففتح “ملفات الفضائيين المحظورة” يمثل بالنسبة له إثباتاً لكسره قيود البيروقراطية الحزبية القديمة في واشنطن. في المقابل، تتعامل أنظمة مثل روسيا (بوتين) أو الصين مع أي اختراق جوي كملف عسكري استراتيجي مغلق بالكامل، ولا تطرحه للنقاش العام للحفاظ على الهيبة العسكرية والسرية المطلقة.
لماذا أمريكا دائماً؟ يعود ذلك لسببين، الأول تكنولوجي، حيث تمتلك الولايات المتحدة أكبر شبكة رادارات، طائرات عسكرية، وأقمار صناعية ترصد الغلاف الجوي بصفة مستمرة. والسبب الثاني ثقافي، حيث تحتضن هوليوود والإعلام الأمريكي ثقافة “الكائنات الفضائية” منذ حادثة روزويل 1947، مما يجعل العقل الجمعي الأمريكي والأدوات الرقمية مهيأة لإنتاج واستهلاك وتصديق هذا النوع من المحتوى مقارنة بأي دولة أخرى.
أشهر الفيديوهات والتفسير العلمي الرسمي
أشهر الفيديوهات والتفسير العلمي الرسمي
فيديو “USS Russell” (المركبات الهرمية 2019): فيديو شهير التقطته البحرية الأمريكية لقطع طائرة على شكل أهرامات متوهجة في السماء.
التفسير الرسمي (AARO): أثبت المحللون وخبراء البصريات (مثل ميك ويست) أن الأجسام هي مجرد طائرات تجارية عادية ونجوم (مثل كوكب المشتري)، لكنها ظهرت على شكل مثلثات وأهرامات نتيجة تصويرها بعدسة ليلية غير مضبوطة البؤرة، وهو تأثير بصري شهير يُعرف علمياً بـ تأثير البوكيه البصري ($Bokeh$).
فيديوهات الـ “FLIR” والـ “GIMBAL” (2004 – 2015): فيديوهات رسمية التقطتها طائرات $F/A\text{-}18$ تظهر أجساماً تتحرك بسرعة مذهلة عكس الرياح.
التفسير الرسمي: أقرت الاستخبارات بصحة الفيديوهات لكنها صنفتها كـ “غير محلولة قطرياً” مع ترجيح كونها مسيرات تجسسية متطورة تابعة لدول منافسة (مثل الصين) تقيس القدرات الدفاعية والرادارية للقواعد البحرية الأمريكية، أو بالونات ومناورات بصرية ناتجة عن أنظمة التتبع الحراري بالطائرات.
المضامين والرسائل المشفرة خلف كثرة النشر
المضامين والرسائل المشفرة خلف كثرة النشر
تخلُص التحليلات الاستراتيجية إلى أن الرسائل المشفرة وراء هذه الحمى الرقمية تتأرجح بين ثلاثة أبعاد رئيسية:
الرسالة السياسية التشتيتية: توجيه اهتمام الجماهير بعيداً عن الأزمات الاقتصادية، الحروب الإقليمية المستعرة، والصراعات الانتخابية، واستبدالها بخطر غيبي بعيد عن الواقع اليومي.
برهنة القوة العسكرية: إرسال رسائل مبطنة للقوى المنافسة (روسيا والصين) بأن الولايات المتحدة ترصد أحدث تقنيات التجسس التي يخترقون بها أجوائها، وتملك القدرة العسكرية الكاملة على ملاحقتها رقمياً.
تأمين التمويل وضمان الولاء للميزانيات: كثرة النشر تضغط بشكل غير مباشر على الكونغرس لرفع ميزانيات الدفاع، الفضاء، مشاريع المراقبة الجوية، والأقمار الصناعية تحت بند “حماية الأمن القومي من التهديدات مجهولة الهوية”.