كتب باسم الموسوي

في مسرحية شكسبير «ماكبث»، التي يستعير منها ف. غريغوري غوس عنوان مقاله، يقال إن الحياة حكاية يرويها أحمق، ملأى بالصخب والغضب، ولا تعني شيئاً. ليست استعارة غوس بريئة ولا لغوية فحسب. فهو يريد أن يقول إن الشرق الأوسط عاش، منذ السابع من تشرين الأول 2023، سنوات من القتل الهائل والحروب المتداخلة والاغتيالات وانهيار الأنظمة وقصف المدن، ثم انتهى تقريباً إلى النقطة التي انطلق منها. تغيّرت أسماء، وسقطت مبانٍ، واحتلت أراضٍ، ودُمّرت اقتصادات، ولكن القواعد التي تنتج الحرب بقيت على حالها.

الشرق الأوسط الجديد… تغيّرت الحروب وبقيت المعادلة نفسها

الشرق الأوسط الجديد... تغيّرت الحروب وبقيت المعادلة نفسها
الشرق الأوسط الجديد… تغيّرت الحروب وبقيت المعادلة نفسها

غوس، أستاذ فخري في كلية بوش للإدارة الحكومية والخدمة العامة في جامعة تكساس إيه آند إم، وباحث مشارك في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، ليس كاتباً راديكالياً ولا معارضاً للإمبراطورية الأميركية. هو أحد أبرز المتخصصين الأميركيين في الخليج والعلاقات بين إيران والدول العربية والولايات المتحدة، وينتمي إلى التقليد الواقعي في دراسة السياسة الدولية: الدول تبحث عن القوة، والتحالفات محكومة بالخوف، والفراغات تجذب التدخل، ولا سلام من دون سلطة قادرة على فرضه. ولهذا تحديداً تكتسب مقالته أهميتها. فهي ليست اتهاماً صادراً عن خصوم أميركا، بل اعترافاً من داخل المؤسسة الأكاديمية الأميركية بأن أضخم حملة عسكرية شهدتها المنطقة منذ عقود لم تُنتج نظاماً إقليمياً جديداً.

على الورق، كان يفترض أن يكون كل شيء قد تغيّر. إيران وإسرائيل، اللتان أدارتا طوال عقود حرباً سرية بواسطة الاغتيالات والعملاء والهجمات الإلكترونية والحلفاء، قصفتا أراضي بعضهما مباشرة. الولايات المتحدة وإسرائيل خاضتا حرباً مشتركة على إيران. خسر النظام الإيراني مرشده الذي حكم ستة وثلاثين عاماً وجزءاً كبيراً من بنيته الدفاعية. ضُربت منشآت الخليج ومطاراته ومناطقه السياحية. عاد لبنان إلى الحرب بعد أن ظن كثيرون أنه بدأ يخرج من آثار الحرب السابقة. سقط نظام الأسد بعدما عجز حلفاؤه في طهران وبيروت عن إنقاذه. في المقابل، دمرت إسرائيل غزة، ووسعت الاستيطان في الضفة، وأعادت احتلال أجزاء من جنوب لبنان، وتقدمت داخل الأراضي السورية.

هذه ليست أحداثاً صغيرة، ولا يجوز اختصارها في عبارة من نوع «لم يتغير شيء». لقد تغيرت حياة ملايين البشر، وفقد مئات الآلاف بيوتهم وأقاربهم وأعمالهم، وانقلبت اقتصادات كاملة. لكن ما يقصده غوس هو أن البنية السياسية التي حكمت المنطقة قبل الحرب لم تتبدل: إيران ما زالت إيران، وإسرائيل ما زالت إسرائيل، وأميركا ما زالت عاجزة عن الانسحاب وعاجزة في الوقت نفسه عن صناعة نظام مستقر، والدول العربية الضعيفة ما زالت ساحات تتنافس فيها القوى الخارجية، أما فلسطين فبقيت القضية التي يتمنى الجميع اختفاءها ثم يفاجأون كل مرة بأنها عادت لتفجير الإقليم.

إيران والحرب.. لماذا فشل مشروع إسقاط النظام؟

إيران والحرب.. لماذا فشل مشروع إسقاط النظام؟
إيران والحرب.. لماذا فشل مشروع إسقاط النظام؟

كان المشروع الأميركي–الإسرائيلي مبنياً على فرضية بسيطة: إيران أصبحت نمراً من ورق. بين عامي 2023 و2025، تلقت طهران سلسلة ضربات كان يمكن لأي مراقب أن يفسرها بوصفها مقدمات انهيار. دُمرت منشآت نووية، واغتيل قادة وعلماء داخل إيران، وقُتل إسماعيل هنية في طهران، وسقط النظام السوري الذي مثّل لسنوات الممر البري بين إيران ولبنان، وتعرض حزب الله وحماس لخسائر غير مسبوقة. ثم جاءت الاحتجاجات الداخلية في نهاية 2025، وقمعها النظام بعنف شديد. بدا أن البناء كله يهتز، وأن دفعة عسكرية إضافية قد تسقطه.

من هنا، لم تكن دعوة دونالد ترامب الإيرانيين إلى «تسلّم» بلدهم مجرد دعاية حربية. كانت تعبيراً عن اعتقاد حقيقي بأن القصف قد يؤدي إلى انقلاب سياسي، وأن النظام الذي صمد أمام حصار طويل وحرب الثمانينيات والاغتيالات والعقوبات يمكن إسقاطه من الجو. هذه إحدى العقائد الثابتة في الوعي الإمبراطوري الأميركي: أن الشعوب التي تكره حكوماتها ستتلقى القنابل الأميركية بوصفها رسائل تحرير، وأن تدمير بنية الدولة يفتح الطريق تلقائياً أمام نظام أكثر اعتدالاً وانضباطاً في النظام الدولي.

لكن إيران، بحسب غوس، خرجت من الجولة الأخيرة منتصرة سياسياً، حتى لو كانت قد دفعت ثمناً عسكرياً واقتصادياً هائلاً. الانتصار هنا لا يعني أنها هزمت الولايات المتحدة وإسرائيل ميدانياً أو خرجت بلا خسائر، بل يعني أنها أفشلت الهدف الأهم للحرب: إسقاط النظام وتجريد البلاد من وسائل التأثير الإقليمي. بقيت الجمهورية الإسلامية، واكتشفت أن لديها ورقة لا يمكن تدميرها بغارة جوية، هي موقعها الجغرافي وقدرتها على خنق جزء أساسي من تجارة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.

الدول لا تحتاج دائماً إلى جيش أقوى من جيش عدوها. يكفي أحياناً أن تكون قادرة على جعل كلفة الانتصار عليها أكبر من المكسب. إيران لا تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة طائرة بطائرة أو سفينة بسفينة، لكنها تستطيع تهديد منشآت النفط والمطارات والموانئ وخطوط الملاحة في منطقة يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. بهذا المعنى، ليست قوة إيران ناتجة فقط من الصواريخ أو الحلفاء، بل من كونها جالسة فوق عقدة جغرافية لا يستطيع النظام الرأسمالي العالمي الاستغناء عنها.

المفارقة أن الحرب التي شُنت، في جزء منها، لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي قد تجعل قرار الحصول عليه أكثر عقلانية من وجهة نظر قيادتها. الرسالة التي أُرسلت إلى طهران ليست أن التخلي عن السلاح يضمن لها الأمن، بل العكس: الدولة التي لا تملك ردعاً نووياً يمكن قصفها، واغتيال قادتها، ومحاولة تغيير نظامها، ثم مطالبتها بعد ذلك بالعودة إلى طاولة المفاوضات. أما الدولة التي تملك القنبلة، مثل كوريا الشمالية، فإن الخطاب معها يأخذ شكلاً مختلفاً تماماً.

غوس لا يقول إن إيران خرجت من الحرب سليمة. اقتصادها مأزوم، ومجتمعها يعاني، وحلفاؤها أضعف من السابق، والحرس الثوري بات أكثر سيطرة على النظام. لكنه يقول إن السياسة الأساسية للجمهورية الإسلامية لم تتغير، ولن تتغير بسبب القصف. ستواصل معارضة إسرائيل، ومقاومة النفوذ الأميركي، والحضور في الدول العربية التي تسمح هشاشة مؤسساتها بهذا الحضور. الفرق أن النظام سيشعر الآن أن هذه السياسات أثبتت ضرورتها، لا فشلها.

لبنان والدول الضعيفة.. هل تصنع الهشاشة الحروب؟

لبنان والدول الضعيفة.. هل تصنع الهشاشة الحروب؟
لبنان والدول الضعيفة.. هل تصنع الهشاشة الحروب؟

هنا يصل غوس إلى فكرته المركزية: «الدول الضعيفة لا تستطيع صنع سلام دائم». العراق ولبنان وسوريا واليمن ليست، في نظره، مجرد بلدان تعاني نزاعات داخلية؛ إنها الفراغات التي تجري داخلها الحروب الإقليمية. حين لا تستطيع الحكومة ضبط الحدود أو احتكار القرار العسكري، تتحول البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع إيران وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة ودول الخليج. السلام، في هذه القراءة، ليس معاهدة توقعها وزارة الخارجية، بل قدرة دولة مركزية على تنفيذ ما توقعه.

هذه الفكرة صحيحة في صورتها العامة، لكنها تصبح أكثر التباساً عندما يطبقها الكاتب على لبنان. غوس يقرأ المسألة اللبنانية من خلال المعادلة المألوفة في واشنطن: هناك دولة ضعيفة، وهناك حزب الله الذي يمتلك سلاحاً وسياسة خارجية مستقلة، ولا يمكن استعادة الدولة إلا بإنهاء هذه الازدواجية. لكن الوقائع التي يوردها هو نفسه تفتح سؤالاً آخر لا يجيب عنه: ماذا تعني «سيادة الدولة» حين تحتل إسرائيل أرضها، وتقصف مدنها، وتقتل سكانها، فيما لا تملك الحكومة وسيلة عسكرية أو ضمانة دولية لوقفها؟

يعترف غوس بأن إسرائيل اجتاحت الجنوب وقصفت البلد كله وقتلت الآلاف وشردت قرابة مليون إنسان، وأن الحكومة اللبنانية أدانت هجوم حزب الله وعرضت التفاوض مع إسرائيل. ثم يستنتج أن الحكومة ستفقد صدقيتها لأنها لم تمنع الكارثة. لكن هذا تحديداً هو جوهر المشكلة: الدولة التي يطلب منها الغرب مواجهة المقاومة هي نفسها دولة لا يستطيع الغرب أو لا يريد أن يضمن حمايتها من إسرائيل. يُطلب منها نزع وسيلة القوة الموجودة لديها قبل بناء قوة بديلة، وأن تثق بنظام دولي شهدت طوال عقود كيف تُخرق قراراته حين يتعلق الأمر بإسرائيل.

في التصور الأميركي، الدولة العربية القوية هي الدولة القادرة على ضبط مجتمعها ومنع أي فعل مقاوم من أراضيها. أما قدرتها على رد العدوان الإسرائيلي فمسألة ثانوية أو مؤجلة. السيادة، وفق هذه الصيغة، تتحول إلى وظيفة أمنية: أن تمنع الخطر عن إسرائيل، لا أن تمنع إسرائيل من الاعتداء عليك. وحين تفشل في المهمة الأولى تسمى دولة فاشلة، أما حين تعجز عن الثانية فيقال إن عليها التحلي بالصبر واللجوء إلى الدبلوماسية.

ومع ذلك، يكشف غوس تناقضاً مهماً في السياسة الإسرائيلية. نتنياهو، كما يشرح، يعتقد أن إسرائيل تكون أكثر أمناً حين يكون جيرانها ضعفاء ومجزأين. لهذا لا تتعامل تل أبيب مع صعود حكومة مركزية في لبنان أو سوريا باعتباره فرصة، بل خطراً محتملاً. تدعم الانقسامات، تسلح جماعات محلية، تقيم مناطق عازلة، وتقصف الجيش والمؤسسات الرسمية، ثم تشكو من أن الطرف المقابل لا يملك دولة تستطيع التفاوض معها.

إنها سياسة إدارة الغابة ثم التذرع بغياب الدولة. تُضعف إسرائيل المؤسسة المركزية، وتغتال إمكان قيام سلطة موحدة، ثم تقول إن لا شريك يمكن الوثوق به. وغوس يلفت، بحق، إلى أن أكثر حدود إسرائيل استقراراً ليست مع المناطق المفككة، بل مع مصر والأردن، أي مع دولتين مركزيتين تملكان جيشاً وإدارة وحدوداً واضحة. لكن هذا الدرس لا يغير السياسة الإسرائيلية، لأن إسرائيل لا تبحث دائماً عن السلام بمعناه التقليدي؛ هي تبحث عن حرية حركة مطلقة، عن القدرة على القصف متى تشاء ومنع أي قوة مجاورة من الوصول إلى مستوى يقيّدها.

غزة وإسرائيل.. حرب بلا نهاية سياسية

غزة وإسرائيل.. حرب بلا نهاية سياسية
غزة وإسرائيل.. حرب بلا نهاية سياسية

المشهد نفسه يتكرر في غزة. استخدمت إسرائيل قوة تدميرية غير مسبوقة، قتلت عشرات الآلاف، سوت أحياء بالأرض، وأضعفت حماس، لكنها لم تحل المشكلة التي كان يفترض أن تحلها الحرب. لا يوجد نظام حكم مستقر، ولا قوة دولية راغبة في الدخول، ولا شريك فلسطيني مقبول إسرائيلياً. ترفض حكومة نتنياهو عودة السلطة الفلسطينية، وتمنع لجنة التكنوقراط من العمل، وتواصل احتلال معظم القطاع، فيما لم تُنزع قدرة حماس بصورة كاملة.

هذا ليس فشلاً تنفيذياً، أي سوءاً في إدارة «اليوم التالي». إنه نتيجة منطقية لسياسة لا تريد يوماً تالياً سياسياً. إسرائيل تريد إنهاء المقاومة من دون الاعتراف بحقوق الشعب الذي أنجبها، وتريد إدارة الفلسطينيين من دون منحهم دولة، وتريد شريكاً يوفر الأمن من دون أن يحصل على السيادة. المشكلة ليست في غياب الخطة، بل في أن الخطة نفسها قائمة على محاولة جعل وضع غير قابل للاستمرار يستمر إلى الأبد.

الخليج بين إيران وأمريكا.. معضلة الأمن والتحالفات

الخليج بين إيران وأمريكا.. معضلة الأمن والتحالفات
الخليج بين إيران وأمريكا.. معضلة الأمن والتحالفات

في الخليج، تكشف الحرب نوعاً آخر من المأزق. دول المنطقة تخشى أميركا وتحتاج إليها في الوقت نفسه. تخشى أن تجرها واشنطن إلى حرب، ثم تخشى أن توقف الحرب قبل إزالة الخطر الإيراني. تريد علاقة أمنية مع الولايات المتحدة من دون أن تصبح أراضيها أهدافاً، وتريد الاستفادة من إسرائيل ضد إيران من دون أن تدفع الثمن السياسي والأمني لتحالف علني معها.

ضُربت منشآت الخليج، ومع ذلك لم تستطع دوله الخروج من المظلة الأميركية. دفاعاتها الجوية وتدريب جيوشها وتسليحها مرتبطة بواشنطن، ولا الصين تريد الحلول مكانها ولا روسيا قادرة على ذلك. هذه الدول تملك ثروات سيادية بمئات مليارات الدولارات، وتبني مدناً وموانئ وشركات طيران، لكنها ما زالت تستورد أمنها من قوة تبعد آلاف الكيلومترات، ثم تكتشف أن المورد نفسه يتخذ قرارات الحرب والتفاوض وفق أولوياته الخاصة.

أما إسرائيل، التي سُوقت لسنوات شريكاً أمنياً للخليج، فقد ظهرت في الحرب بوصفها مصدراً إضافياً لانعدام الاستقرار. حرب غزة، وضرب قطر، والسعي إلى استمرار المواجهة مع إيران، كلها دفعت حكومات خليجية إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل حليفاً ضد الخطر أم قوة قادرة على إنتاج أخطار جديدة. لم تختف العلاقات، وخصوصاً مع الإمارات، لكن الحلم ببناء محور إسرائيلي–عربي معلن ضد إيران فقد كثيراً من زخمه.

الحل الذي يقترحه غوس يبدو، من داخل المدرسة الواقعية الأميركية، عقلانياً: لا يمكن إسقاط إيران بالحرب، ولذلك يجب التفاوض معها؛ يجب إنشاء نظام دولي للملاحة في هرمز؛ ينبغي دعم قيام دول مركزية في سوريا ولبنان والعراق واليمن؛ وعلى الولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل، لا أن تتركها تفكك جوارها. والأهم أن لا استقرار ممكناً من دون حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

لكن الكاتب يصل إلى حافة المسألة ثم يتوقف. فمن الذي يمنع هذه الحلول؟ ليست المشكلة أن الولايات المتحدة لم تكتشف بعد ضرورة التسوية الفلسطينية أو قوة الدول العربية. واشنطن تعرف ذلك منذ عقود، لكنها توازن دائماً بين هذا الاستقرار النظري وبين تحالفها مع إسرائيل وهيمنتها العسكرية ومصالحها في السيطرة على تدفقات الطاقة والتحالفات. تريد شرقاً أوسط مستقراً، نعم، لكن ليس مستقلاً عنها. تريد دولاً قوية، ولكن ليس إلى درجة تستطيع عندها رفض الأوامر الأميركية. تريد إيران غير نووية، ولكنها لا تقدم لها نظاماً أمنياً يزيل دوافع التسلح. تريد للفلسطينيين إدارة محلية، لكن من دون إجبار إسرائيل على إنهاء الاحتلال.

لماذا بقي الشرق الأوسط القديم رغم كل هذا الخراب؟

لماذا بقي الشرق الأوسط القديم رغم كل هذا الخراب؟
لماذا بقي الشرق الأوسط القديم رغم كل هذا الخراب؟

لهذا يبدو «الشرق الأوسط الجديد» شبيهاً إلى هذا الحد بالقديم. ليست الحروب انفجارات تقع خارج النظام، بل هي إحدى طرق عمله. الحرب تعيد ترتيب التحالفات، وتختبر الأسلحة، وتدمر رؤوس أموال قديمة، وتفتح أسواق إعادة الإعمار، وتبرر القواعد العسكرية، وتضبط الدول التابعة، لكنها لا تمس دائماً الأسباب التي أنتجتها. وبعد أن ينتهي القصف، يجلس الجميع إلى الطاولة لمناقشة القضايا نفسها التي كانت مطروحة قبل آلاف القتلى.

من هنا تأتي القيمة الحقيقية لمقال ف. غريغوري غوس. فهو، رغم انحيازاته الواضحة ونظرته الأميركية إلى المقاومة والدولة، يعترف بما تحاول خطابات النصر العسكري إخفاءه: لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل قصف طريقهما نحو شرق أوسط أفضل. تستطيعان تدمير مدن، وقتل قادة، وتعطيل منشآت، وتغيير موازين مؤقتة، لكنهما لا تستطيعان إلغاء الجغرافيا أو التاريخ أو حقوق الشعوب أو دوافع الدول إلى حماية نفسها.

بعد كل ما جرى، بقيت إيران، وبقيت فلسطين، وبقيت المقاومة، وبقي خوف الخليج، وبقي الاحتلال، وبقيت القواعد الأميركية. الجديد الوحيد هو حجم المقابر والركام. أما النظام الذي صنع الحرب، فقد خرج منها أكثر اقتناعاً بضرورة الاستعداد للجولة التالية. وهذا هو المعنى الفعلي لعبارة «الصخب والغضب»: ليس أن الدماء لم تعن شيئاً للذين نزفوا، بل أنها لم تعن شيئاً لدى القوى التي أراقتها، لأنها لم تتعلم منها سوى كيفية خوض الحرب المقبلة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com