إلياس المرّ – الأفضل نيوز

شكّل اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون محطة سياسية تستحق التوقف عندها، ليس فقط لجهة ما قيل في العلن، بل أيضاً لما حملته بعض الرسائل والإشارات التي قد تؤسس لمقاربات جديدة في التعاطي الأميركي مع الملف اللبناني. وبين مؤشرات إيجابية وأخرى أقل وضوحاً، تبرز الواقعية السياسية بوصفها المعيار الأهم في قراءة مخرجات اللقاء، لأنها وحدها القادرة على تحويل الرسائل السياسية إلى فرص فعلية لتقريب الحلول بدل الاكتفاء بتسجيل المواقف.

أولى الإشارات الإيجابية تمثلت في إشادة الرئيس ترامب برئيس مجلس النواب نبيه بري، وهي رسالة تتجاوز الإطار الشخصي لتلامس البعد السياسي الداخلي. فالإشادة بأحد أبرز أركان المعادلة اللبنانية تعكس ميلاً إلى الانفتاح على مختلف المكونات السياسية، بعيداً عن منطق العزل والإقصاء الذي أثبت خلال السنوات الماضية أنه لم ينتج استقراراً ولا حلولاً مستدامة. ومن هنا، تبدو الواقعية السياسية أكثر جدوى من أي مقاربة تقوم على تجاهل الوقائع أو محاولة تجاوزها بالقوة.

أما الإشارة الثانية، والأكثر أهمية، فكانت إعلان ترامب استعداده للحديث مع حزب الله؛ فهذا الموقف، إن تُرجم إلى سياسة عملية، يحمل دلالات استراتيجية متعددة:

أولاً، أنه يتجاوز عملياً حقيقة إدراج الحزب على لائحة الإرهاب الأميركية، بما يفتح الباب أمام مقاربة أكثر براغماتية للواقع اللبناني.

وثانياً، يعكس اعترافاً ضمنياً بأن الحوار، مهما كانت تعقيداته، يبقى السبيل الأكثر واقعية للوصول إلى حلول استراتيجية طويلة الأمد، بعدما أثبتت أدوات الضغط والعقوبات محدودية نتائجها. وهنا تحديداً تظهر جدوى الواقعية السياسية، لأنها لا تلغي التباينات، لكنها تديرها بطريقة تسمح بتقريب المسافات بدل توسيعها.

وثالثاً، يشير هذا الطرح إلى أن الخيار العسكري الذي راهنت عليه إسرائيل لم ينجح في إنهاء دور حزب الله أو إقصائه من المعادلة، وأن الحزب لا يزال لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية.

ورابعاً، يبعث برسالة إلى الداخل اللبناني مفادها أن الحزب سيبقى جزءاً من المشهد السياسي اللبناني، وأن أي مقاربة للحل الداخلي لا يمكن أن تقوم على استبعاده أو تجاهل حضوره الشعبي والسياسي. ومن هنا، فإن الواقعية السياسية لا تبدو مجرد خيار تكتيكي، بل ضرورة عملية لفهم التوازنات القائمة والتعامل معها بما يفتح الباب أمام تسويات ممكنة.

في المحصلة، تبدو حصيلة اللقاء أقرب إلى الإيجابية منها إلى السلبية، خصوصاً إذا جرى التعامل مع مخرجاته بمنطق الواقعية السياسية لا بمنطق الأمنيات أو الإملاءات؛ فكلما اقتربت المقاربات الدولية من الاعتراف بتوازنات الداخل اللبناني، واعتمدت الحوار بديلاً عن الضغوط والشروط الأحادية، ازدادت فرص إنتاج حلول أكثر استقراراً وديمومة، تحفظ مصالح لبنان وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي مع أزماته المعقدة. وفي هذا السياق، تبقى الواقعية السياسية الأداة الأنجع لتقريب الحلول، لأنها تنطلق من الممكن لا من المستحيل، ومن التفاهم لا من التصادم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com