تتقدم على رأس أولويات الرئيس اللبناني جوزيف عون، في هذه المرحلة، ثلاثة ملفات مترابطة: الحصول على دعم عسكري نوعي للمؤسسة العسكرية اللبنانية، والدفع باتجاه انسحاب إسرائيل من المواقع التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان وفق الآليات المنبثقة عن اتفاق وقف إطلاق النار، ثم تهيئة الظروف لتسوية سياسية أوسع تفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار الداخلي والإقليمي.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يصطدم بفجوة واسعة بين المقاربة اللبنانية والتصور الأمريكي لكيفية معالجة الأزمة اللبنانية. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام الرئيس اللبناني، الذي قد يحتاج إلى دعم عربي، ولا سيما خليجي، للمساعدة في تضييق هوة المواقف وتوفير شبكة دعم سياسية واقتصادية لأي تفاهمات محتملة.
الرؤية الأمريكية للدعم المشروط
بدو واشنطن مستعدة لتقديم دعم سياسي وعسكري كبير للدولة اللبنانية
وبحسب هذه القراءة، تبدو واشنطن مستعدة لتقديم دعم سياسي وعسكري كبير للدولة اللبنانية، شرط أن تتولى السلطات اللبنانية مسؤولية بسط سيادتها الكاملة، بما يشمل معالجة ملف السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، ولا سيما في جنوب البلاد، بما ينسجم مع الرؤية الأمريكية للاستقرار.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة أمريكية بأن البيئة الاستراتيجية في المنطقة شهدت تغيرات عميقة خلال الفترة الأخيرة، بدءاً من التحولات التي شهدتها سورية، مروراً بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وصولًا إلى الحرب الأخيرة على لبنان. ومن وجهة نظر واشنطن، فإن هذه المتغيرات فتحت نافذة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، بحيث تتحمل الدولة اللبنانية، عبر مؤسساتها الشرعية، المسؤولية الكاملة عن الأمن والاستقرار على أراضيها.
ملف سلاح حزب الله في صلب النقاش
ملف سلاح حزب الله في صلب النقاش
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يستطيع الرئيس جوزيف عون تقديم تصور واضح للإدارة الأمريكية حول آلية معالجة ملف سلاح حزب الله ضمن إطار وطني لبناني؟
يبقى هذا الملف الأكثر تعقيداً في الحياة السياسية اللبنانية، نظراً لتشابكاته الداخلية والإقليمية، وارتباطه بتوازنات سياسية وأمنية استمرت لعقود.
وفي هذا السياق، تعكس المواقف الأمريكية المعلنة استعداد واشنطن لدعم العهد الجديد، لكنها تربط هذا الدعم بخطوات عملية تعزز سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل الأراضي اللبنانية، باعتبار ذلك مدخلًا لأي استقرار طويل الأمد.
الانسحاب الإسرائيلي وضمانات الأمن
الانسحاب الإسرائيلي وضمانات الأمن
أما في الشق المتعلق بالجنوب، فإن أي مسعى أمريكي لإقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوبتسريع الانسحاب من المواقع التي لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز فيها، سيبقى مرتبطًا بالتفاهمات الأمنية بين واشنطن وتل أبيب.
وتعتبر إسرائيل أن أي انسحاب إضافي يجب أن يقترن بضمانات أمنية تمنع عودة أي نشاط عسكري على طول الحدود، وهو ما يجعل هذا الملف جزءًا من تفاوض أوسع يتجاوز الساحة اللبنانية وحدها.
ماذا بعد لقاء جوزيف عون وترامب؟
ماذا بعد لقاء جوزيف عون وترامب؟
في المحصلة، تبدو زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن محطة سياسية مفصلية، إذ ستحدد إلى حد كبير طبيعة العلاقة بين لبنان والإدارة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، كما ستكشف حدود القدرة على المواءمة بين متطلبات الدعم الدولي وتعقيدات الواقع السياسي اللبناني، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد الحديث.
وتشير التقديرات إلى أن لقاء جوزيف عون وترامب سيكون من أبرز المحطات السياسية في المرحلة المقبلة، لما قد ينتج عنه من تفاهمات أو رسائل سياسية تتعلق بمستقبل لبنان الأمني والسياسي وعلاقته مع الولايات المتحدة.