بقلم: باسم الموسوي

تُقدَّم الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في معظم القراءات، بوصفها اختباراً لمصير بنيامين نتنياهو أكثر منها مفترقاً في السياسة الإسرائيلية. ويبدو هذا التقدير وجيهاً من زاوية أولى: فالمعارضة الإسرائيلية لا تحمل مشروعاً مغايراً جذرياً في المسألة الفلسطينية، ولا تعلن استعدادها للتخلي عن التفوق العسكري أو مراجعة الأسس التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. غير أن الاستنتاج القائل إن رحيل نتنياهو لن يغيّر شيئاً في السياسة الإقليمية ينطوي، بدوره، على قدر من التسرع. فثبات الأهداف لا يعني ثبات الأدوات، والتوافق على حماية المصالح الإسرائيلية لا يلغي إمكان الاختلاف العميق حول الطريقة التي تُدار بها هذه المصالح.
قد لا تفضي الانتخابات إلى انتقال إسرائيل من مشروع سياسي إلى نقيضه، لكنها قد تنقلها من استراتيجية إلى أخرى: من إدارة الحروب المفتوحة إلى محاولة تثبيت نتائجها باتفاقات؛ ومن استنزاف العلاقة مع الولايات المتحدة إلى ترميمها؛ ومن الاحتلال المباشر للمناطق الحدودية إلى ترتيبات أمنية تتيح الانسحاب منها؛ ومن سياسة تقوم على إبقاء كل الجبهات قابلة للاشتعال إلى سياسة تسعى إلى ضبطها تحت سقف أميركي.
المسألة هنا لا تتعلق بتجميل البديل الإسرائيلي، ولا بافتراض ظهور معسكر سلام حيث لا وجود له، بل بفهم الفارق بين سياسة دولة وسياسة رجل بات استمرار التوتر جزءاً من شروط بقائه الشخصي.
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لم تعد الحرب بالنسبة إلى نتنياهو مجرد استجابة عسكرية لهجوم كبير، ولا مجرد وسيلة لاستعادة الردع. لقد تحولت تدريجياً إلى بيئة سياسية يحيا داخلها مشروعه الشخصي. ففي ظل الحرب يمكن تأجيل التحقيق في الإخفاقات الأمنية، ويمكن تعطيل المحاسبة عن مسؤولية الحكومة، ويمكن تصوير كل معارضة داخلية باعتبارها خطراً على الجبهة الداخلية. وفي ظل الحرب أيضاً يمكن إرجاء الاستحقاقات السياسية، وشد أواصر الائتلاف اليميني، واستدعاء خطاب الخطر الوجودي كلما بدأت شعبية رئيس الحكومة بالتراجع.
بهذا المعنى، لم يعد استمرار القتال نتيجة لتعذر الوصول إلى تسوية فحسب، بل صار استمرار نتنياهو السياسي محتاجاً إلى بقاء التسوية متعذرة. فالحرب التي تنتهي تفتح باب السؤال: من يتحمل مسؤولية ما وقع؟ ولماذا لم يُمنع هجوم السابع من أكتوبر؟ وما الذي تحقق بعد كل هذا الدمار؟ وهل كانت الكلفة البشرية والاقتصادية والدبلوماسية متناسبة مع النتائج؟ أما الحرب التي تبقى مفتوحة، فتسمح لرئيس الحكومة بأن يؤجل الجواب، وأن يستبدل المحاسبة بوعد نصر جديد لم يأتِ بعد.
ليس أكيداً أن يكون للبديل الحاجة نفسها. بل إن أي حكومة تخلف نتنياهو قد تستمد شرعيتها من عكس ما فعله: إعادة المؤسسات إلى العمل، فتح لجان التحقيق، تحسين العلاقة مع الحلفاء، استعادة شيء من الثقة الداخلية، وإنهاء بعض الجبهات التي تحولت إلى عبء. ولذلك قد تكون مصلحة القيادة الجديدة في إنهاء الحرب، لا في تمديدها؛ وفي تحويل القوة العسكرية إلى ترتيبات سياسية، لا في إبقائها بلا خاتمة.
أولى ساحات التغيير المحتمل ستكون العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد راكم نتنياهو، خلال سنوات طويلة، علاقة شخصية واستثنائية مع دونالد ترامب، لكنه في الوقت نفسه ساهم في إضعاف الطابع العابر للحزبين الذي ميّز الدعم الأميركي لإسرائيل تاريخياً. لم تعد إسرائيل في عهده موضع إجماع سياسي أميركي بالقدر السابق، وخصوصاً داخل الحزب الديمقراطي، وفي الجامعات، وبين قطاعات واسعة من الشباب، وحتى داخل شرائح من اليهود الأميركيين. كما أن الحرب الطويلة، وصور الدمار، والاتهامات الموجهة إلى إسرائيل، ألحقت أضراراً كبيرة بصورتها الدولية وبقدرتها على تقديم نفسها بوصفها حليفاً غربياً طبيعياً يدافع عن نفسه ضمن حدود مقبولة.
الحكومة الإسرائيلية البديلة، حتى لو كانت يمينية أو وسطية، ستجد أمامها مهمة ملحّة: وقف تراجع شرعية إسرائيل في الولايات المتحدة، وترميم العلاقة بالمؤسسة الأميركية، لا بالرئيس وحده. وقد ترى أن أفضل سبيل إلى ذلك هو تقديم نفسها باعتبارها حكومة أكثر عقلانية، وأقل أيديولوجية، وأكثر قابلية للتنسيق. لن يعني هذا التخلي عن المصالح الإسرائيلية، بل إعادة صياغتها بطريقة تخفف من كلفتها على واشنطن.
حتى في ظل إدارة ترامب، قد تنشأ حاجة إلى تفاهم أكبر وأكثر تنظيماً. ترامب يحب الصفقات الواضحة والإنجازات التي يمكن تسويقها. وهو، على الرغم من دعمه الشديد لإسرائيل، لا يفضّل بالضرورة حروباً لا تنتهي تستنزف الولايات المتحدة وتعرقل مشاريعه الإقليمية. ومن ثم قد تكون حكومة ما بعد نتنياهو أكثر استعداداً للدخول في تفاهمات معه: انسحابات مقابل ضمانات، ترتيبات أمنية مقابل وقف للنار، تطبيع إقليمي مقابل خطوات سياسية، أو تفاهمات حول لبنان وسورية وإيران تتيح للرئيس الأميركي تقديم نفسه صانعاً للسلام والاستقرار.
نتنياهو كان يحتاج إلى ترامب بوصفه سنداً لحربه. أما بديله فقد يحتاج إليه بوصفه راعياً لخروج إسرائيل من الحروب بشروط تحفظ مصالحها. والفارق بين الحالتين ليس تفصيلاً.
في لبنان تحديداً، لا ينبغي التعامل مع فكرة المنطقة الأمنية بوصفها عقيدة أبدية لا تقبل المراجعة. فقد أقامت إسرائيل منطقة احتلال في الجنوب طوال سنوات، ثم انسحبت منها عام 2000 عندما تبين أن وجودها العسكري المباشر لا يصنع أمناً، بل يجتذب المقاومة ويكبد الجيش خسائر مستمرة. وما يُقدَّم اليوم باعتباره ضرورة أمنية قد يواجه الحساب نفسه: هل تستطيع إسرائيل الاحتفاظ بأراضٍ لبنانية من دون أن تتحول هذه الأراضي إلى بؤر مقاومة واستنزاف؟ وهل يضمن الوجود العسكري أمناً حقيقياً للمستوطنات الشمالية، أم يبقي الحدود في حال حرب دائمة؟
قد يكون نتنياهو أكثر تمسكاً بهذه المناطق لأنه يحتاج إلى تقديمها بوصفها إنجازاً ملموساً للحرب، ودليلاً على أن إسرائيل صنعت واقعاً جديداً. فالانسحاب في عهده قد يُفسَّر داخلياً على أنه تراجع عن نتيجة دفع الإسرائيليون أثماناً كبيرة من أجلها. أما خليفته فلا يحمل العبء الرمزي نفسه، ولا يحتاج إلى حماية سردية نتنياهو. يمكنه أن يقول إن الانسحاب ليس عودة إلى ما قبل الحرب، بل انتقال إلى نظام أمني جديد تشرف عليه الولايات المتحدة أو آلية دولية، ويتضمن ضمانات والتزامات ومراقبة وترتيبات على جانبي الحدود.
قد يقتنع البديل بأن الأمن لا يتحقق بالاحتفاظ بأرض لبنانية، بل باتفاق يضع حداً لحالة الاستنزاف. وقد يرى أن الانسحاب المنظم، المقترن بتفاهمات وضمانات، أفضل من انتشار عسكري طويل لا يملك أفقاً سياسياً. وهذا الاحتمال لا يعني أن إسرائيل ستتحول إلى دولة تحترم الحقوق اللبنانية تلقائياً، بل يعني أن حساب المصلحة قد يدفعها إلى تفضيل الاتفاق على الاحتلال.
كما أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ليست كتلة واحدة تؤمن دوماً بالبقاء في الأراضي المحتلة. ففي تجارب سابقة، كان بعض القادة العسكريين أكثر استعداداً من السياسيين للاعتراف بأن السيطرة المباشرة قد تصبح عبئاً. العسكري يحسب الكلفة، وعدد الجنود المطلوبين، واحتمالات الكمائن، وصعوبة حماية المواقع، وتأثير الانتشار الطويل في الجاهزية. أما السياسي الأيديولوجي فيحول كل موقع إلى رمز، وكل انسحاب إلى خيانة. وإذا جاءت حكومة أقل ارتهاناً للصهيونية الدينية ولحلفاء نتنياهو المتطرفين، فقد تفتح المجال أمام مقاربة أكثر براغماتية.
التغيير المحتمل لن يقتصر على لبنان. ففي غزة، قد تحاول حكومة جديدة الانتقال من الحرب المفتوحة إلى ترتيبات طويلة الأمد، ليس حباً بحقوق الفلسطينيين، بل رغبة في التخلص من عبء الإدارة العسكرية المباشرة واستعادة الأسرى ووقف النزف الدولي. وفي الضفة الغربية، قد لا توقف الاستيطان، لكنها قد تضبط اندفاع الضم العلني وتحد من استفزازات اليمين الديني التي تعرقل العلاقة مع واشنطن والعواصم الأوروبية. وفي الملف الإيراني، قد تستمر في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكنها قد تفضّل اتفاقاً أكثر صرامة على حرب إقليمية لا يمكن التحكم في نهايتها.
ستبقى هناك حدود واضحة لأي تحول. فالمجتمع الإسرائيلي أكثر يمينية مما كان عليه قبل عقدين، والدولة لن تتخلى بسهولة عن منطق القوة، ولا عن رفضها الفعلي لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة. لكن هذا لا يلغي السياسة. فالسياسة ليست اختياراً دائماً بين السلام العادل والحرب، بل كثيراً ما تكون اختياراً بين حرب مفتوحة وتسوية ناقصة، أو بين احتلال مباشر ونظام هيمنة غير مباشر، أو بين التصعيد المستمر والتهدئة المشروطة.
لذلك لا يصح القول إن الانتخابات لن تغير شيئاً. ربما لن تغير جوهر المشروع الإسرائيلي، لكنها قد تغير إيقاعه وأولوياته وأدواته. وقد يكون لهذا التغير أثر ملموس على شعوب المنطقة، ولا سيما في لبنان، حيث يمكن للفارق بين حكومة تريد الاحتفاظ بأرض محتلة وحكومة تبحث عن اتفاق يتيح الانسحاب أن يكون فارقاً بين حرب مستمرة ومسار سياسي قابل للاختبار.
ليس المطلوب بناء أوهام حول المعارضة الإسرائيلية، ولا إسقاط صفة الاعتدال عليها. المطلوب فقط التحرر من فكرة أن إسرائيل كيان بلا سياسة داخلية، وأن جميع قادتها نسخ متطابقة. نتنياهو لم يكن مجرد منفذ لعقيدة ثابتة، بل أعاد تشكيل هذه العقيدة بما يخدم معركته على السلطة، وربط مصيره الشخصي باستدامة الطوارئ والخوف والحرب. ولذلك فإن خروجه قد يحرر السياسة الإسرائيلية، جزئياً، من حاجته إلى إبقاء كل شيء معلقاً.
ما بعد نتنياهو لن يكون بالضرورة زمناً للسلام. لكنه قد يكون نهاية مرحلة كان فيها غياب السلام ضرورة لبقاء رجل واحد. وبين الأمرين مسافة لا ينبغي الاستهانة بها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com