بقلم الدكتور محمد خليل رضا
الطب الشرعي هو علم حساس ودقيق، واختصاص له لغته وألف باؤه ومدارسه، ومختبراته الملحقة به، وهو جسر عبور وتواصل إلزامي بين العدالة والقانون والعلم، لكشف سبب الوفاة وبلسمة مشاعر وأحاسيس أهالي الضحايا، إذا بقيت غامضة وملتبسة ومجهولة أسباب وظروف وحيثيات الوفاة؟ ويدفن التشخيص وملف سبب الوفاة في القبر إلى الأبد مع المتوفى؟ حينها نجهل الفاعل؟ أو الفاعلين؟
ومن جهة ثانية، يعاين الأحياء في أكثر من حالة وموضوع وملف، مثلًا في إطار العنف الزوجي، أو الأسري، أو العائلي، وحوادث العمل والطرقات، ومعاينة كبار السن للتحري عن الأهلية القانونية لجهة سلامة الذاكرة، وحالة الوعي والإدراك والاستيعاب.
وأيضاً في حالات التحرش، والاعتداءات الجنسية، والاغتصاب، وتعنيف الأطفال، وسوء معاملتهم، ومن صلاحياته أيضاً معاينة مهاجرين غير شرعيين لا يملكون أوراقاً ثبوتية، لتحديد:
العمر العظمي (AGE OSSEUX).
ومعاينة متعاطي المخدرات والممنوعات، ويتدخل في التحقيقات الطبية الشرعية:
EXPERTISE MÉDICO-LÉGALE
عند الأطباء والمستشفيات، لجهة المضاعفات الجراحية، والأخطاء الطبية وأخواتها، في إطار تحديد ما يُطلق عليه في القانون الطبي:
المسؤولية الطبية
LA RESPONSABILITÉ MÉDICALE
وهذا موضوع جد دقيق، وحساس، ومعقد، وعلمي، وطبي، وشرعي بامتياز، لجهة إعطاء النتيجة العلمية، والشفافة، والمحايدة، سواء لهذا الفريق أو ذاك.
ومواضيع أخرى، في معاينة أطفال «لقطاء»، وتخبيصات الولادة، وغيرها.
لا أريد أن أسترسل كثيراً في ذلك، وكي لا أشط شططاً عن المقالة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ما يُطلق عليه في لغة الطب الشرعي:
LEVÉE DU CORPS
معاينة الجثة من الخارج، من زاوية الطب الشرعي، وبكافة معاييرها وتفاصيلها، وكما كنا نمارس ذلك بمهنية وحرفية مطلقة في فرنسا والخارج.
مع أوراق رسمية وقانونية، مرقمة ومتسلسلة، وبألوان متعددة، وعليها رسم جسم الإنسان من الأمام، والخلف، ومن الجانب الأيمن، والأيسر، وتتم المعاينة تحت الإضاءة القوية، للتحري عن جروح قديمة كآثار لعمليات جراحية، أو تواجد جروح حديثة في هذه المنطقة أو تلك من الجثة. نأخذ قياس طولها، وعمقها، وهل تُصنف هذه الجروح في خانة الجروح القاتلة، إذا كانت في ناحية القلب، أو الصدر، أو الرقبة، أو على مسار شرايين الأطراف العليا أو السفلى؟
وهل بنية الجثة (OBÈSE) بدينة، أم نحيلة، أم ضعيفة؟ وهل فيها عاهات خلقية، أو بتر لأصابع أو أطراف؟ ومهنة الضحية تفيد أحياناً، في حال كان لحاماً، أو ميكانيكياً، أو يعمل في مجال النجارة، أو الحدادة، أو في مصانع تجهيزاتها ضخمة، وقِس على ذلك.
وهل فيها وشم (TATOUAGE)؟ وما شكله، ولونه، وقياسه، ومكانه على الجثة؟ أو توجد علامات فارقة مثل:
NAEVUS (خال أو شامة)،
ولونها، وموقعها، وحجمها.
وهل الأظافر موجودة؟ وهل الأسنان كاملة؟ وهل الضحية يستفيد من (PROTHÈSE DENTAIRE)، أي طقم أسنان للفكين، أم لفك واحد؟ وهل يوجد تشوهات في هذا السن أو ذاك؟ وهل توجد آثار على الشفاه لتشوه خلقي، مثل:
BEC DE LIÈVRE (شفة الأرنب).
ونسجل، إذا لاحظنا، وجود الشارب: لونه، وحجمه، وكذلك الذقن: لونه، وحجمه، وهل هو كثيف، أو خفيف، أو متوسط؟ وهل يتخلله لون أبيض؟
وماذا عن الشعر؟ نطبق المعايير نفسها التي ذكرتها.
ونحدد طول الضحية ووزنه، وندون ذلك في الملف، مع كافة المعلومات التي ذكرتها.
وأيضاً، وأيضاً، ندون ونتحرى عن كافة العلامات في إطار:
THANATOLOGIE MÉDICO-LÉGALE
وأهمها:
أولاً:
LA RIGIDITÉ CADAVÉRIQUE
التيبس الجثي.
ثانياً:
LIVIDITÉ CADAVÉRIQUE
الزرقة الرمية، أو التبقع الرمي.
ربما بعض ما ذكرتُ من معلومات عادية، وقد ينتبه إليها هذا الطبيب الشرعي أو ذاك.
لكن ماذا عن أخذ حرارة المستقيم؟
LA TEMPÉRATURE RECTALE
ضمن جهاز خاص، أسطواني، رفيع وطويل، يتم إدخال ما بين خمسة إلى عشرة سنتيمترات منه إلى داخل المستقيم (RECTUM)، ويُترك لمدة ثلاث إلى خمس دقائق. وهذا الإجراء مفيد جداً في الطب الشرعي لتقدير الفترة الزمنية للوفاة، ويتم قراءة النتيجة بشكل رقمي (DIGITAL).
وبشكل عام، يفقد الجسم حرارته خلال الساعات الأولى بعد الوفاة بمعدل يتراوح بين 1 إلى 1.5 درجة فهرنهايت، أي ما يعادل 0.5 إلى 0.8 درجة مئوية في الساعة.
وأشير إلى أن درجة حرارة المستقيم تُعد الأدق لقياس حرارة الجسم، لأنها تقيس حرارة الأعضاء الداخلية بدقة أكبر من حرارة الأطراف أو سطح الجلد.
لكن يجب الانتباه إلى بعض العوامل المناخية والمتعددة التي تؤثر على النتائج، مثل درجة حرارة الغرفة أو المكان الذي عُثر فيه على الجثة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هناك أمور لها علاقة بظروف الجثة، فإذا كانت عارية أو عليها ملابس، لأن الملابس تعزل الحرارة وتبطئ من عملية برودة الجسم.
إضافة إلى ذلك، فإن البيئة الرطبة، مثل غمر الجثة بالمياه، تُسرّع من عملية فقدان الحرارة.
وماذا عن وزن الجثة؟ فالسمنة (OBÉSITÉ)، مثلاً، تزيد من احتفاظ الجسم بالحرارة مقارنة بالأجسام النحيلة.
ولا أريد أن أتوسع أكثر في هذه النقطة كي لا أشط شططاً عن الموضوع، وإنما لأشير إلى أهمية أخذ حرارة المستقيم للجثث، والانتباه إلى العوامل الأخرى التي تؤثر في نتائجها.
أنتقل إلى موضوع حساس، ومهم جداً جداً، وأشير إلى أن الكثيرين من الشرعيين، إذا كانوا هم كذلك، يجهلون أخذ عينات من السائل الزجاجي للعين:
HUMEUR VITRÉE
فهذا الوسط البيولوجي بعيد جداً عن تحلل الجثة، وهو غني بالبوتاسيوم (+K)، ويُستفاد منه في قياس معدل الكحول، وتحديد زمن الوفاة، كما أنه مهم جداً من الناحية البيولوجية، وفي علم السموم (TOXICOLOGIE).
وهذا الوسط البيولوجي يبقى محفوظاً بعد الوفاة، ويكون محمياً من التحلل والتعفن بدرجة أكبر من سوائل الجسم الأخرى.
ولي الحق أن أسأل، عمداً وقصداً: هل يُمارس ذلك في لبنان؟ هل تُؤخذ عينات منه لفحص الكحول (ALCOOL) من جهة، ومن جهة ثانية لتحديد زمن الوفاة؟ وهل توجد مختبرات لهذا الغرض؟؟
ولا أتكلم في هذه المقالة المختصرة جداً جداً عن ألف باء تشريح الجثة (AUTOPSIE)، فهذا الموضوع يحتاج إلى حلقات وحلقات.
لكن أسأل: ماذا عن العينات التي تُؤخذ من الجثة في إطار علم السموم (TOXICOLOGIE)؟
وأهمها، وأذكرها كعناوين سريعة:
- الدم الوريدي: SANG VEINEUX
- الدم الشرياني: SANG ARTÉRIEL، ويؤخذ من القلب، أو من الشريان تحت الترقوة (ARTÈRE SOUS-CLAVIÈRE)، أو الشريان السباتي (CAROTIDE)، أو الشريان الفخذي (FÉMORALE)، أو الشريان الأبهر (AORTE)، وغيرهم.
- الصفراء (العصارة الصفراوية): BILE
- البول: URINE
- محتويات المعدة.
- محتويات الأمعاء.
- ومن الضلع الرابع (4e CÔTE).
- ومن عظام العانة (PUBIS) وغيرها، لتحديد العمر العظمي لصاحب الجثة.
أما بالنسبة إلى فحص الحمض النووي (DNA)، فتؤخذ العينات من عدة أماكن داخل الجثة وخارجها، وكذلك من مسرح الجريمة (SCÈNE DE CRIME).
ومعلومات أخرى ندوّنها إذا تعلق الأمر بجريمة قتل، إذ نتحرى بدقة، وبمهارة، وبخبرة، عن فتحة الدخول:
ORIFICE D’ENTRÉE
وفتحة الخروج:
ORIFICE DE SORTIE
للطلقات النارية، ونحدد ذلك من خلال قراءة ومشاهدة ما نلاحظه على الجلد، ومحيط هذه الفتحات، تحت الإضاءة القوية، مع استخدام عدسة مكبرة (LOUPE) للحصول على رؤية أفضل.
وأكرر، لا أتكلم في هذه المقالة عن تشريح الجثة (AUTOPSIE)، لأن هذا الموضوع يحتاج إلى حلقات عديدة.
وفي النهاية، وبعد الانتهاء، واستطراداً، إذا شرحنا الجثة وأخذنا منها رزمة العينات المناسبة، بحسب ظروف كل جثة، ومع التصوير الشعاعي للجثة في بعض الحالات، وقراءة نتائج العينات المأخوذة منها، ومعايير أخرى، نعطي في النهاية شهادة وفاة:
CERTIFICAT DE DÉCÈS
موقعة من الطبيب الشرعي، وأحياناً من مدير مختبر الحمض النووي، وتُسلَّم إلى أهل الضحية، وهم بدورهم يسلّمون نسخة منها إلى مسؤول المقبرة، لتُدفن الجثة بطريقة قانونية، وطبية، وعلمية، ورسمية.
وللقوطبة على التحقيق الطبي الشرعي:
EXPERTISE MÉDICO-LÉGALE
والتحقيق الطبي الشرعي المضاد.
وماذا عن نبش القبر واستخراج الجثة ومعاينتها من جديد؟
EXHUMATION
وحينها لا ينفع الندم؟
ومن يصرخ أولاً؟
وأسأل في الختام:
لماذا لا يوجد في لبنان البطاقة الوطنية الجينية للحمض النووي؟
FICHIER NATIONAL D’EMPREINTES GÉNÉTIQUES
