باسم الموسوي :اتفاق الإطار والمبادئ الآمرة: حين تصبح التسوية مساساً بجوهر السيادة
كتب باسم الموسوي
لا يمكن مقاربة أي اتفاق يمسّ السيادة الوطنية ووضع الأرض المحتلة وحق الدولة في المطالبة بالعدالة، بوصفه مجرد نص تفاوضي قابل للأخذ والرد. فبعض البنود لا تقف عند حدود السياسة، بل تدخل في صميم النظام القانوني الدولي، حيث توجد قواعد أعلى من إرادة الدول، لا تستطيع الاتفاقات الثنائية أو الرعاية الدولية أو الضغوط السياسية أن تتجاوزها. وفي مقدمة هذه القواعد: حق الشعوب في تقرير مصيرها، حظر تكريس الاحتلال أو تبريره، عدم جواز الإعفاء من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة، وحق الدولة والضحايا في سلوك طرق المساءلة والانتصاف.
من هذه الزاوية، يثير ما سُمّي «اتفاق الإطار» إشكالية لا تتصل فقط بانقسام اللبنانيين حول مضمونه السياسي، بل بمشروعيته القانونية نفسها. فبصرف النظر عن بقية البنود، يكفي التوقف عند بندين شديدي الخطورة: البند الثاني، الذي يجعل الانسحاب مشروطاً بترتيبات داخلية لبنانية يقيّمها الاحتلال أو راعيه؛ والبند الثالث عشر، الذي يقيد أو يوقف الأعمال المناوئة في المحافل السياسية والقانونية الدولية. هذان البندان ينقلان الاتفاق من منطق التسوية إلى منطق المساس بحقوق لا تملك السلطة التفريط بها.
البند الثاني يقوم، في جوهره، على معادلة خطرة: انسحاب القوة الأجنبية لا يتم بوصفه واجباً قانونياً مترتباً على الاحتلال، بل بوصفه نتيجة مشروطة بنزع سلاح جهات لبنانية وبنجاح «مناطق تجريبية» أو ترتيبات أمنية يقدّرها الطرف المعتدي أو الجهة الراعية له. وبذلك يتحول الانسحاب من واجب غير مشروط إلى مكافأة تمنح للبنان إذا أثبت حسن السلوك. وهذا قلب كامل للقاعدة القانونية والأخلاقية: فالأرض المحتلة يجب أن تُخلى لأنها محتلة، لا لأن الدولة الواقعة تحت الاعتداء قبلت إعادة تشكيل بنيتها الأمنية وفق شروط المعتدي.
إن حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يقتصر على اختيار نظام سياسي في المعنى الضيق، بل يتضمن حقها في التحرر من الاحتلال، وفي أن تحدد، عبر مؤسساتها وإرادتها الوطنية، صورتها السياسية والأمنية من دون إملاء خارجي. فإذا جاء نص يجعل انسحاب الاحتلال مشروطاً بترتيبات داخلية، فإنه لا ينظم الانسحاب، بل يحوّل بنية الدولة نفسها إلى موضوع اختبار خارجي. يصبح الشعب مطالباً بإعادة ترتيب عناصر قوته الداخلية كي يستحق استعادة أرضه. وهذه ليست تسوية بين دولتين، بل تدخل في صميم الإرادة الوطنية.
والأخطر أن هذا الربط يمنح الاحتلال موقعاً غير مشروع: من معتدٍ ملزم بالانسحاب، إلى طرف يقيّم متى تصبح الدولة المعتدى عليها مستحقة لاستعادة سيادتها. هنا لا تعود السيادة حقاً أصيلاً، بل تتحول إلى حالة مشروطة، قابلة للتدرج والتجربة والمراجعة. صحيح أن السيادة في القانون الدولي الحديث لم تعد مطلقة بمعنى أنها خارج كل قيد؛ فهي محكومة بميثاق الأمم المتحدة وبالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. لكنها تبقى، في مواجهة الاحتلال، حقاً أصيلاً لا يجوز تحويله إلى امتحان يديره المحتل أو راعيه.
لذلك فإن البند الثاني لا يمس تفصيلاً أمنياً فحسب، بل يطال مبدأ عدم التدخل أيضاً. فأن تطلب قوة خارجية من دولة ذات سيادة إعادة هندسة وضعها الأمني الداخلي كشرط لانسحاب الاحتلال، يعني أن القرار الداخلي لم يعد نابعاً من المؤسسات الوطنية وحدها، بل أصبح محكوماً بإرادة خارجية. وفي ذلك انتقاص جوهري من استقلال الدولة، ومساس بحق شعبها في تقرير خياره الدفاعي والسياسي ضمن إطاره الدستوري.
أما البند الثالث عشر، فهو لا يقل خطورة. فحين ينص اتفاق على وقف أو تقييد الأعمال «المناوئة» في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، فإننا لا نكون أمام بند دبلوماسي عادي، بل أمام محاولة لإسكات الدولة والضحايا معاً. فالمحافل الدولية ليست ساحة دعائية فحسب، بل هي أيضاً أدوات قانونية وسياسية لمساءلة المعتدي، وتثبيت المسؤولية، والمطالبة بالتعويض، ومنع الإفلات من العقاب. وإذا حُرمت الدولة من اللجوء إليها، أو قُيّد حقها في استعمالها، فإن سيادتها لا تُمارس، بل تُفرّغ من مضمونها.
صحيح أن الدول تستطيع، في حالات كثيرة، أن تسوّي نزاعاتها، أو تختار وسيلة معينة لحل خلافاتها، أو تتنازل عن مطالب سياسية أو مالية محددة ضمن تسوية واضحة. لكن ما لا تستطيع فعله هو أن تمنح إعفاءً شاملاً ومسبقاً من المسؤولية عن انتهاكات جسيمة، أو أن تتنازل باسم الضحايا عن حقهم في الإنصاف، أو أن تغلق سلفاً أبواب المساءلة عن جرائم حرب واعتداءات وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني. هنا لا يعود الأمر تنازلاً دبلوماسياً، بل مساساً بمنظومة المسؤولية الدولية نفسها.
فاللجوء إلى القضاء الدولي، أو إلى آليات المساءلة الدولية، هو مظهر من مظاهر سيادة الدولة، لا انتقاص منها. والدولة التي تطالب بمحاسبة من اعتدى عليها لا تقوم بعمل عدائي غير مشروع، بل تمارس حقاً مشروعاً في الانتصاف. بل إن ميثاق الأمم المتحدة نفسه يقوم على مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية، ومنها التفاوض والتحكيم والتسوية القضائية واللجوء إلى المؤسسات الدولية المختصة. فكيف يصبح استعمال الوسائل القانونية السلمية عملاً «مناوئاً» يجب وقفه؟
وتزداد خطورة البند حين يُقرأ في ضوء الانتهاكات الجسيمة. فاتفاقيات جنيف لا تجيز للدول أن تعفي نفسها أو غيرها من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة. وهذا يعني أن أي صيغة تؤدي، صراحة أو ضمناً، إلى تعطيل المساءلة عن جرائم حرب أو انتهاكات خطيرة، لا يمكن التعامل معها كبند تفاوضي عادي. فالمسؤولية عن الجرائم الدولية الجسيمة ليست ملكاً خالصاً للسلطة السياسية، ولا ورقة تضعها على طاولة المفاوضات، بل تتصل بحقوق الضحايا وبالنظام العام الدولي.
ومن هنا ينبغي التمييز بدقة. ليس كل تنازل عن دعوى أو مطالبة دولية باطلاً بذاته، وليس كل قيد على مسار قانوني يرقى تلقائياً إلى مخالفة قاعدة آمرة. لكن إذا كان التقييد واسعاً ومسبقاً، وإذا كان يمس حق الدولة في ملاحقة انتهاكات جسيمة، أو يمنعها من قبول اختصاص محكمة دولية، أو يعرقل سعي الضحايا إلى الإنصاف، فإننا نقترب من منطقة التعارض مع قواعد أساسية، بل مع قواعد آمرة في بعض جوانبها، ولا سيما عندما يكون الأثر العملي هو حماية المعتدي من المساءلة.
في هذا السياق تصبح المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات حاضرة بقوة. فهذه المادة تقرر أن المعاهدة تكون باطلة إذا تعارضت، عند إبرامها، مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام. والقاعدة الآمرة هي تلك التي يقبلها المجتمع الدولي ككل بوصفها قاعدة لا يجوز الخروج عليها، ولا يعدلها إلا قاعدة لاحقة من الطبيعة نفسها. والغاية من هذه القاعدة واضحة: منع الدول من الاتفاق، حتى برضاها، على ما يهدم الأساس القانوني للنظام الدولي.
وعليه، فإن السؤال القانوني الجدي لا يكون: هل وقّعت السلطة؟ بل: هل تملك السلطة أن توقّع على ما يمس حق تقرير المصير، أو يشرعن بقاء الاحتلال، أو يعفي المعتدي من المساءلة، أو يغلق أبواب العدالة؟ فإرادة الدولة ليست مطلقة عندما تصطدم بقواعد تعلو على الاتفاقات. ولا تستطيع السلطة، تحت ضغط الحرب أو باسم التسوية، أن تحوّل الاحتلال إلى وضع تفاوضي مشروع، أو أن تجعل الانسحاب مشروطاً بتنازلات داخلية، أو أن توقع تنازلاً عاماً عن مسارات المحاسبة.
إن إشكالية «اتفاق الإطار» لا تكمن فقط في أنه يثير خلافاً سياسياً داخلياً، بل في أنه يمس بنية قانونية أعلى من الخلاف السياسي. فربط الانسحاب بشروط داخلية يطال جوهر حق تقرير المصير والسيادة. وتقييد اللجوء إلى المحافل القانونية الدولية يفرغ حق الانتصاف من مضمونه، ويهدد بتحويل العدالة إلى مادة مقايضة. وإذا كان القانون الدولي قد عرف المبادئ الآمرة كي يمنع الدول من شرعنة ما لا يجوز شرعنته، فإن أي قراءة جدية لهذا الاتفاق يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة: ليست كل اتفاقية مشروعة لأنها وُقّعت، وليست كل تسوية قانونية لأنها رُعيت دولياً. فحيث تنتهي السيادة إلى إذعان، وحيث تتحول العدالة إلى بند قابل للشطب، لا يعود الاتفاق إطاراً للحل، بل وثيقة أزمة قانونية مفتوحة.
