الدكتور محمد خليل رضا:ماذا يحدث من أذى وضرر جسدي ونفسي على أجساد ضحايا حوادث السير نتيجة عدم الإنارة داخل الأنفاق؟
الحلقة الثانية والأخيرة (2/2)

بقلم الدكتور محمد خليل رضا
في هذه الحلقة الثانية والأخيرة، سأتحدث عن مضاعفات حوادث السير القاتلة الناتجة عن فقدان الإنارة داخل بعض الأنفاق في الضاحية الجنوبية لبيروت، وما يترتب عليها من حوادث مرورية مميتة بسبب انعدام الرؤية. كما سأتناول الحوادث الناجمة عن وجود الريكارات المكشوفة من دون أغطية مناسبة، إضافة إلى الحفريات والجور والمطبات المنتشرة على الطرقات والأوتوسترادات، والتي تفاجئ السائقين بصورة مباغتة، فتشكّل سببًا مباشرًا لحوادث سير مميتة.
وتنعكس آثار هذه الحوادث على أجساد الضحايا ونفسياتهم إذا كُتب لهم النجاة. ويُطلق على ذلك في لغة القانون الطبي وعلم الضحية مصطلح الأذى أو الضرر (Prejudice)، وهو أنواع متعددة، منها: الأذى التجميلي، والأذى العصبي والنفسي، والأذى المادي، والأذى المهني، والأذى الدراسي، والأذى الجنسي والإنجابي، والأذى الترفيهي، والحاجة إلى الاستعانة بالآخرين، وغيرها.
ويحاسب القانون على هذه الأضرار لأن العلاقة السببية واضحة بين عدم إنارة الأنفاق، ووجود الحفريات والجور والمطبات والريكارات المكشوفة، وبين وقوع هذه الحوادث وما ينتج عنها من إصابات جسدية ونفسية قد تصل في بعض الحالات إلى الانتحار، نتيجة الإهمال من قبل وزارة الأشغال العامة والنقل، والبلديات، والمتعهدين، وغيرهم.
أولًا: الأذى التجميلي
عند معاينة الضحايا بدقة من قبل الطبيب الشرعي والمتخصص في علم الضحية والأذى الجسدي والقانون الطبي، نلاحظ وجود كدمات، وحروق، وكسور، وتشوهات، وإصابات متنوعة نتيجة هذه الحوادث، ولا سيما تلك الناجمة عن انعدام الرؤية داخل الأنفاق المظلمة.
وإذا أصابت هذه الإصابات الوجه، فإنها تشوه مظهره، ويمكن ملاحظتها من مسافات قريبة ومتوسطة، ولذلك تُصنف ضمن الأذى التجميلي، وتُمنح أعلى درجة وفق جدول عالمي (Barème) يتراوح بين صفر وست درجات. وفي الحالات التي تترافق مع فقدان البصر أو السمع قد تُمنح العلامة الكاملة (6/6).
أما إذا كانت الإصابات في الظهر أو البطن أو الحوض أو الصدر أو الأطراف أو غيرها من المناطق التي تغطيها الملابس، فهي تدخل أيضًا ضمن الأذى التجميلي، إلا أن تقييمها يكون أقل، إذ لا يتجاوز غالبًا ثلاث درجات، وقد يصل استثنائيًا إلى أربع درجات.
ثانيًا: الأذى العصبي والنفسي
إن الإصابات الجسدية الخطيرة، مثل الشلل، وبتر الأطراف، وفقدان الحركة، وفقدان البصر أو السمع، والجروح والتشوهات الدائمة، تترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصًا إذا كان بالإمكان تفادي الحادث لو توفرت الإنارة داخل الأنفاق.
وتؤدي هذه الصدمات إلى حدوث التوتر الحاد، وقد تتطور لاحقًا إلى متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والتي تتظاهر بأعراض متعددة، منها:
القلق.
الاكتئاب.
الخوف والرهاب.
العزلة الاجتماعية.
فقدان الشهية.
اضطرابات الجهاز الهضمي.
قضم الأظافر.
الكوابيس الليلية.
اضطرابات النوم.
اضطرابات الدورة الشهرية.
الهلاوس الشمية أو البصرية أو السمعية أو الجلدية.
ويختلف ذلك بحسب التاريخ الطبي والدوائي والصدمي للمصاب، وقد تصل بعض الحالات إلى الانتحار أو محاولة الانتحار، وهي حالات موثقة في الأدبيات الطبية.
ثالثًا: الأذى المادي
قد يكون السائق يعتمد في رزقه على سيارته، كسيارة أجرة أو وسيلة لنقل الطلاب أو غير ذلك من الأعمال.
وعندما يُصاب بالشلل أو يفقد البصر أو السمع أو القدرة على الحركة، فإنه يفقد مصدر دخله الوحيد، ويصبح عاجزًا عن إعالة أسرته أو سداد التزاماته المالية من فواتير وأقساط مدرسية وديون مصرفية وأقساط التأمين وغيرها.
رابعًا: الأذى الجنسي والإنجابي
دمجت هذين النوعين من الأذى اختصارًا.
فعندما يتعرض المصاب لإصابة شديدة في الحوض تؤدي إلى تلف الأعضاء التناسلية أو الخصيتين، قد يضطر الفريق الجراحي إلى استئصالهما لإنقاذ حياة المصاب وإيقاف النزيف.
وكذلك قد تُصاب المرأة أو الفتاة بإصابات خطيرة في الحوض والرحم والمبيضين مع نزيف شديد، مما يستدعي استئصال الرحم أو المبيضين كإجراء إسعافي لإنقاذ حياتها.
وتؤثر هذه الإصابات بصورة مباشرة في القدرة على الإنجاب، وقد تؤدي أيضًا إلى اضطرابات في الحياة الزوجية والعلاقة الجنسية.
وفي هذا السياق، أتذكر قول الله تعالى:
﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا﴾
صدق الله العظيم.
وقد تؤدي هذه المآسي، في بعض الحالات، إلى الاكتئاب الشديد أو محاولات الانتحار.
خامسًا: الأذى الدراسي
قد يكون المصاب طالبًا أو أستاذًا جامعيًا أو باحثًا ينتظر موعد امتحان أو بعثة علمية أو فرصة تخصص، إلا أن الإصابة قد تحرمه من استكمال دراسته وتحقيق طموحه العلمي والمهني.
سادسًا: الأذى الترفيهي
قد يكون المصاب رياضيًا، أو موسيقيًا، أو نحاتًا، أو مصورًا، أو حرفيًا، أو يمارس هوايات مختلفة، إلا أن إصابته بالشلل أو العمى أو الصمم أو الكسور الدائمة قد تحرمه من ممارسة هواياته ونشاطاته التي كانت جزءًا من حياته.
سابعًا: الحاجة إلى الاستعانة بالآخرين
قد يصبح المصاب بحاجة دائمة إلى من يساعده في:
النظافة الشخصية.
الاستحمام.
تناول الطعام والشراب.
التنقل.
التسوق.
غسل الملابس.
إعداد الطعام.
استخدام الهاتف.
تضميد الجروح.
جلسات العلاج الفيزيائي.
استخدام الكرسي المتحرك أو الأطراف الاصطناعية.
متابعة قياس ضغط الدم وسكر الدم.
وسائر النشاطات اليومية التي كان يؤديها بصورة طبيعية قبل الإصابة.
ثامنًا: معاينة الضحية
يقوم الطبيب الشرعي، والمتخصص في علم الضحية والقانون الطبي والأذى الجسدي، بمعاينة المصاب بدقة، وقياس أبعاد الجروح والكدمات وتحديد ألوانها، لأنها تتبدل تدريجيًا من الأحمر والأزرق والبنفسجي إلى الأخضر ثم الأصفر قبل أن تختفي خلال نحو أسبوعين.
كما يدرس التقارير الطبية، والصور الشعاعية، والفحوص المخبرية، وتقارير الأطباء الاختصاصيين، وعدد جلسات العلاج الفيزيائي، ويُعد الملف الطبي الكامل.
بعد ذلك يمنح المصاب تقريرًا طبيًا شرعيًا يتضمن مدة عدم الأهلية الكاملة المؤقتة عن العمل (ITT)، والتي تُحدد بالأيام أو الأسابيع أو الأشهر، ونادرًا بالسنوات، بحسب طبيعة الإصابة، ويُستخدم هذا التقرير أمام القضاء.
كما يحدد نسبة العجز الدائم الجزئي (IPP) أو أي نسبة عجز أخرى وفق الحالة الطبية، وهي نسبة مئوية تُعتمد في تقييم الضرر والتعويض.
هذا، باختصار، ما أردت عرضه في هذه المقالة.
الدكتور محمد خليل رضا
طبيب شرعي، واختصاصي في تشريح الجثث، وعلم الضحية، والأذى الجسدي، والقانون الطبي، وعلم الجريمة، وجراح، وأستاذ جامعي، وأستاذ مساعد سابق في مستشفيات باريس – فرنسا، ومسؤول اللجنة العلمية في التجمع الطبي الاجتماعي اللبناني، وله اختصاصات علمية متعددة.
بيروت – لبنان

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com