باسم الموسوي :أوروبا حين تكتشف حدود الحرب بالوكالة

كتب باسم الموسوي

تتصرّف أوروبا كأن الحرب يمكن أن تبقى دائمًا خارج حدودها. تمدّ أوكرانيا بالسلاح والاستخبارات والدعم السياسي، وتشارك في هندسة الضغط على روسيا، وتتبنّى خطابًا عالي النبرة عن الهزيمة والاستنزاف والعقاب، لكنها في الوقت نفسه تفترض أن موسكو ستواصل ضبط ردّها داخل الجغرافيا الأوكرانية. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أوروبا توسّع الحرب سياسيًا وعسكريًا، لكنها تريد من روسيا أن تبقيها محدودة ميدانيًا. تريد حربًا مفتوحة في نتائجها، مغلقة في مسرحها. تريد أن تكون طرفًا في القرار، لا طرفًا في الكلفة.
لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرد نزاع بين دولتين. لقد صارت حربًا مركّبة، تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع الصناعة والتكنولوجيا والاستخبارات والاقتصاد والطاقة والدبلوماسية. لذلك يصبح توصيفها كحرب أوكرانية فقط نوعًا من التبسيط. أوكرانيا هي ساحة الاشتباك، لكنها ليست وحدها صاحبة القرار ولا وحدها صاحبة المصلحة. خلفها تقف بنية غربية واسعة ترى في الحرب فرصة لإضعاف روسيا، ودفعها إلى استنزاف طويل، ومنعها من استعادة موقعها كقوة أوراسية كبرى.
لكن الحروب بالوكالة لا تبقى دائمًا بالوكالة. فهي تقوم على معادلة دقيقة: طرف يمدّ، وطرف يقاتل، وطرف ثالث يُفترض أن يتحمّل الضربات من دون أن يوسّع الرد. غير أن هذه المعادلة تنهار عندما يشعر الطرف المستهدف بأن الوكيل لم يعد وحده مصدر الخطر، وأن مراكز القرار والتسليح والتوجيه والاستخبارات تقع خارج ساحة القتال. عندها يصبح ضرب الأدوات وحدها غير كافٍ، ويبدأ التفكير في ضرب البيئة التي تنتج تلك الأدوات.
من هنا تبرز إمكانية انتقال الحرب إلى مستوى أوروبي أوسع. فالرهان على أن روسيا ستكتفي بالجبهة الأوكرانية يفترض أنها عاجزة أو مترددة أو خائفة من مواجهة مباشرة مع أوروبا. غير أن هذا الافتراض قد يكون جزءًا من سوء قراءة أعمق. روسيا لم تكن، طوال السنوات الماضية، تستهلك كامل قدرتها في أوكرانيا فقط؛ بل كانت توسّع جيشها، وتعيد بناء صناعتها العسكرية، وتراكم الذخائر، وتجهّز بنى لوجستية لاحتمالات أكبر. الحرب الجارية لم تمنعها من التحضير لحرب أوسع، بل ربما سرّعت هذا التحضير.
في المقابل، تبدو أوروبا أكثر ضجيجًا من قدرتها الفعلية. بريطانيا تعاني تراجعًا واضحًا في حجم جيشها وجاهزيته. فرنسا تملك قوة عسكرية معتبرة، لكنها محدودة القدرة على نشر قوات كبيرة ومستدامة خارج حدودها. ألمانيا، رغم الأموال الضخمة المخصصة للتسلح، تصطدم ببطء إداري وصناعي وبنيوي يجعل تحويل المال إلى قدرة قتالية عملية أمرًا بالغ الصعوبة. الجيوش الأوروبية ليست في وضع يسمح لها بخوض حرب طويلة مع قوة كبرى، والصناعات الدفاعية الأوروبية لا تملك سرعة الإنتاج ولا عمق المخزون المطلوبين لمثل هذه المواجهة.
الأزمة ليست عسكرية فقط. أوروبا تعاني مأزقًا سياسيًا واقتصاديًا. قياداتها ترفع السقف، لكنها لا تملك تفويضًا اجتماعيًا عميقًا لحرب كبرى. مجتمعاتها مثقلة بتكاليف المعيشة والطاقة والهجرة وتراجع الخدمات العامة. واقتصاداتها لم تتعافَ كليًا من آثار الأزمات المتلاحقة. لذلك يبدو الانتقال من خطاب دعم أوكرانيا إلى تحمّل حرب مباشرة مع روسيا انتقالًا هائلًا لا تستطيع العواصم الأوروبية ابتلاعه بسهولة. فالحرب لا تُخاض بالتصريحات وحدها، بل بالمصانع والمخازن والجنود والطاقة والقدرة على احتمال الخسائر.
هنا تظهر نقطة الضعف الأخطر: الدفاع الجوي. أوروبا التي تخشى الصواريخ الروسية لا تمتلك، في صورتها الراهنة، شبكة دفاعية قادرة على امتصاص موجات كثيفة من المسيّرات والصواريخ. وإذا كانت روسيا قادرة على إنتاج أعداد كبيرة من المسيّرات بعيدة المدى ومنخفضة الكلفة، فإن معادلة الاستنزاف تصبح لمصلحتها. فالصاروخ الدفاعي الغالي يُستهلك ضد مسيّرة أرخص، والمخزون الأوروبي المحدود يتآكل بسرعة، بينما تستطيع الصناعة الروسية أن تواصل الضخّ بوتيرة أعلى. ليست المسألة أن تسقط كل المسيّرات على أهدافها، بل أن يتحول المجال الجوي الأوروبي إلى مساحة ضغط دائم، وأن تتعرض المطارات والقواعد ومستودعات السلاح ومراكز القيادة لضربات متكررة.
وإذا أضيفت إلى المسيّرات الصواريخ البعيدة المدى، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فروسيا تستطيع، في حال قررت التصعيد، أن تستهدف البنية العسكرية التي تسمح لأوروبا بإسناد أوكرانيا: المطارات، الموانئ، خطوط النقل، مراكز التخزين، محطات الاتصالات، ومنشآت التصنيع العسكري. عندئذ لا يعود السؤال: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن أوكرانيا؟ بل يصبح: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها وهي تواصل الدفاع عن أوكرانيا؟
يراهن بعض الأوروبيين على المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، لكن هذا الرهان لا يلغي صعوبة القرار. فالمادة الخامسة ليست زرًا آليًا لإطلاق حرب شاملة، بل إطار سياسي يحتاج إلى تقدير وحساب وردّ مناسب. وإذا كان الهجوم الروسي، في حال وقوعه، تقليديًا لا نوويًا، فإن الرد النووي الغربي يصبح خيارًا بالغ الخطورة، بل أقرب إلى الانتحار الاستراتيجي. أما الرد التقليدي، فهو مرتبط بالمخزونات والجاهزية والصناعة والقدرة على تحمّل التصعيد. وهنا تعود المشكلة نفسها: أوروبا لا تملك فائض قوة يسمح لها بالانتقال السهل إلى حرب تقليدية كبرى مع روسيا.
هذا لا يعني أن روسيا ستذهب بالضرورة إلى مواجهة شاملة. لكنه يعني أن افتراض استحالة ذلك ليس مضمونًا. فالسياسة الروسية، كما تظهر في السنوات الأخيرة، تقوم على اعتبار توسع الناتو وتسليح أوكرانيا واستهداف العمق الروسي مسائل أمن قومي لا قضايا هامشية. وكلما شعرت موسكو بأن أوروبا تساعد أوكرانيا على نقل الأذى إلى الداخل الروسي، زاد احتمال أن تنتقل من ضرب الذراع إلى ضرب الجسد الذي يمدّ تلك الذراع. هذه هي قاعدة الردع كما تفهمها القوى الكبرى: لا يكفي أن تعاقب المنفّذ، بل ينبغي أن تجعل المموّل والموجّه يدفع كلفة أيضًا.
أوروبا، بهذا المعنى، تواجه اختبارًا لم تتعوّد عليه منذ نهاية الحرب الباردة. فقد عاشت طويلًا تحت المظلة الأميركية، واعتادت أن تجمع بين الخطاب الأخلاقي العالي والحماية الاستراتيجية الأميركية. لكنها اليوم تجد نفسها أمام خصم يملك ترسانة هائلة، وصناعة عسكرية نشطة، واستعدادًا لتحمّل حرب طويلة، وإحساسًا تاريخيًا عميقًا بأن المواجهة مع الغرب ليست حادثًا طارئًا بل امتداد لصراع على موقع روسيا في النظام الدولي. وفي المقابل، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على منح أوروبا كل ما تحتاجه من ضمانات ومخزونات وقدرات، لأنها مستنزفة بين أوكرانيا وآسيا والشرق الأوسط وأزماتها الداخلية.
الحرب في أوكرانيا كشفت أن ميزان القوة لا يُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو الناتج القومي أو عدد الدول المتحالفة. يُقاس أيضًا بالقدرة على إنتاج القذائف، وتحمّل الخسائر، وإعادة بناء الجيوش، وتوفير الطاقة للصناعة، وربط القرار السياسي بالقدرة المادية. في هذه المعايير، تظهر أوروبا أقل استعدادًا مما يوحي خطابها. فهي تملك ثروة كبيرة، لكنها لا تملك بالضرورة اقتصاد حرب. تملك مؤسسات، لكنها لا تملك قرارًا موحدًا وسريعًا. تملك تحالفًا واسعًا، لكن اتساع التحالف لا يعني دائمًا تماسك الإرادة.
لهذا تبدو اللحظة الأوروبية خطرة. ليست الخطورة في أن روسيا ستجتاح أوروبا بالدبابات غدًا، بل في أن القارة قد تكتشف أن مشاركتها في الحرب لم تعد بلا ثمن مباشر. قد لا تحتاج موسكو إلى غزو واسع كي تغيّر الحسابات. قد يكفي أن تضرب البنية التي تغذي الحرب: قاعدة، مخزن، مطار، مركز قيادة، أو شبكة نقل عسكرية. عندها ستجد أوروبا نفسها أمام السؤال الذي تهربت منه طويلًا: هل هي مستعدة لحرب مباشرة مع روسيا، أم أنها بنت سياستها كلها على افتراض أن روسيا لن تجرؤ؟
المشكلة أن السياسة حين تقوم على افتراض عجز الخصم تصبح خطرة. فقد اعتقد الغرب أن العقوبات ستكسر روسيا، وأن أوكرانيا ستستنزفها إلى حد الشلل، وأن أوروبا تستطيع أن تواصل التصعيد من وراء ستار. لكن روسيا، بدل الانهيار، انتقلت إلى اقتصاد حرب، ووسّعت جيشها، ورفعت إنتاجها العسكري، وبدت أكثر استعدادًا لصراع طويل. وفي المقابل، بدأت أوروبا تكتشف أن نزع الصناعة، والاعتماد على الطاقة الخارجية، وتقليص الجيوش، وتحويل الأمن إلى وظيفة أميركية، كلّها خيارات لها ثمن حين تعود الحروب الكبرى إلى القارة.
الدرس الأهم أن الحرب ليست خطابًا أخلاقيًا ولا حملة علاقات عامة. الحرب امتحان قدرة. ومن يشارك في صناعة حرب يجب أن يسأل نفسه إن كان مستعدًا لدفع كلفتها. أوروبا دخلت الحرب الأوكرانية بثقة أن روسيا ستبقى محصورة هناك. لكن موسكو قد تقرر أن حصر الحرب في أوكرانيا لم يعد يخدم أمنها. عندها ستنتهي مرحلة الوكالة المريحة، وتبدأ مرحلة الحساب المباشر.
أوروبا اليوم أمام خيارين: إما أن تعيد تعريف دورها في الحرب وتبحث عن مخرج سياسي يوقف الانزلاق، وإما أن تواصل التصعيد وهي تراهن على أن الطرف الآخر سيظل يضبط نفسه إلى ما لا نهاية. غير أن الحروب الكبرى لا تحترم دائمًا رغبات من يشعلون أطرافها. وحين تتسع النار، لا يعود ممكنًا التحكم في اتجاه الريح.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com