الطاقة الزرقاء تقترب من التحول إلى مصدر كهرباء رخيص ومستدام بفضل غشاء أرق من الشعرة بـ10 آلاف مرة
في اختراق علمي قد يفتح الباب أمام ثورة جديدة في قطاع الطاقة النظيفة، نجح باحثون في تطوير غشاء فائق الدقة قادر على مضاعفة إنتاج الكهرباء من التقاء مياه الأنهار العذبة بمياه البحار المالحة، وهي التقنية المعروفة باسم الطاقة الزرقاء.
ويعتقد العلماء أن هذا الإنجاز قد يساعد مستقبلاً على تحويل الطاقة الزرقاء إلى أحد أهم مصادر الكهرباء المستدامة في العالم، خاصة مع قدرتها على العمل بشكل مستمر ليلاً ونهاراً بعيداً عن تقلبات الطقس التي تؤثر على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ما هي الطاقة الزرقاء؟
الطاقة الزرقاء تعتمد على ظاهرة طبيعية تحدث عند التقاء المياه العذبة القادمة من الأنهار بالمياه المالحة في البحار
تعتمد الطاقة الزرقاء على ظاهرة طبيعية تحدث عند التقاء المياه العذبة القادمة من الأنهار بالمياه المالحة في البحار والمحيطات.
وفي هذه الحالة ينشأ فرق كبير في تركيز الأملاح بين الوسطين، ما يولد طاقة كيميائية طبيعية يمكن تحويلها مباشرة إلى تيار كهربائي.
ويشبه بعض العلماء هذه التقنية ببطارية عملاقة ذاتية الشحن، تستمد طاقتها باستمرار من حركة الأيونات المشحونة بين المياه المالحة والعذبة.
العقبة التي أعاقت الحلم لعقود
التحدي الحقيقي كان دائماً في كفاءة الأغشية المستخدمة لاستخراج الكهرباء
رغم أن فكرة الطاقة الزرقاء ليست جديدة، فإن التحدي الحقيقي كان دائماً في كفاءة الأغشية المستخدمة لاستخراج الكهرباء.
فالأغشية التقليدية كانت تعتمد على قنوات نانوية دقيقة مصنوعة من مواد صلبة مثل البوليمرات، لكن الجدران الداخلية لهذه القنوات كانت خشنة نسبياً، ما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من الطاقة نتيجة الاحتكاك أثناء مرور الأيونات.
وبعبارة أخرى، كانت الجسيمات المشحونة تتحرك داخل ممرات مليئة بالعوائق، الأمر الذي خفض من كفاءة إنتاج الكهرباء وأبطأ تطوير التقنية على نطاق تجاري.
الاختراق العلمي الذي غيّر المعادلة
المعهد التقني السويسري صمم غشاءً هجيناً يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والمواد البيولوجية
تمكن فريق من المعهد التقني الفدرالي السويسري في لوزان من تجاوز هذه المشكلة عبر تصميم غشاء هجين يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والمواد البيولوجية المستوحاة من الخلايا الحية.
واستخدم الباحثون تقنيات تصنيع مشابهة لتلك المستخدمة في صناعة رقائق الكمبيوتر لإنشاء قنوات نانوية مخروطية فائقة الدقة.
لكن العنصر الأهم تمثل في تغليف هذه القنوات بطبقة دهنية رقيقة للغاية تحاكي الأغشية الطبيعية الموجودة حول الخلايا الحية.
ويبلغ سمك هذا الغشاء بضع نانومترات فقط، ما يجعله أرق بنحو عشرة آلاف مرة من شعرة الإنسان.
سر الأداء الاستثنائي
أغشية الخلايا الحية قادرة على توليد إشارات كهربائية بفعل حركتها الطبيعية
تكمن قوة الابتكار الجديد في ظاهرة تعرف علمياً باسم “الانزلاق المائي”.
فبفضل الشحنة الكهربائية العالية التي تحملها القنوات الجديدة، تتشكل طبقة مائية فائقة الرقة تعمل كمادة تشحيم طبيعية تسمح للأيونات بالتحرك بسرعة كبيرة ودون مقاومة تذكر.
وبدل أن تتحرك الجسيمات داخل ممرات خشنة كما في السابق، أصبحت تنساب عبر مسارات شديدة النعومة، ما يزيد كفاءة توليد الكهرباء بصورة غير مسبوقة.
ويؤكد الباحثون أن هذه الخاصية تمثل نقطة التحول الرئيسية التي قد تجعل الطاقة الزرقاء أكثر جدوى اقتصادياً في المستقبل.
نتائج فاقت التوقعات
توربينات تحت الماء لإنتاج الطاقة من المد والجزر بفرنسا
وبلغت كثافة الطاقة المنتجة نحو 51 كيلوواطاً لكل متر مربع، وهو رقم يتجاوز أداء العديد من الأغشية التقليدية المستخدمة حالياً.
كما أثبتت النماذج الرياضية أن الجمع بين الشحنة الكهربائية المرتفعة والانزلاق المائي أدى إلى مضاعفة إنتاج الكهرباء بشكل كبير.
ويرى الباحثون أن هذا التطور يمثل إحدى أهم القفزات العلمية في مجال الطاقة الزرقاء خلال السنوات الأخيرة.
هل يمكن تشغيل مدن كاملة بهذه التقنية؟
هل يمكن تشغيل مدن كاملة بهذه التقنية؟
بحسب التقديرات الأولية، فإن تغطية مساحة كيلومتر مربع واحد من هذه الأغشية المتطورة قد يسمح بإنتاج نحو 18.5 ميغاواط من الكهرباء.
وهذه الكمية تكفي لتزويد آلاف المنازل بالطاقة، ما يفتح الباب أمام استخدام التقنية في المناطق الساحلية القريبة من مصبات الأنهار.
ورغم أن التطبيق التجاري الواسع ما يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير، فإن النتائج الحالية تعزز الآمال بتحويل الطاقة الزرقاء إلى مصدر رئيسي للكهرباء النظيفة مستقبلاً.
تطبيقات تتجاوز إنتاج الكهرباء
المبدأ نفسه يمكن استخدامه لتطوير أنظمة تحلية مياه أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة
لا يقتصر تأثير هذا الابتكار على قطاع الطاقة فقط.
فالمبدأ نفسه يمكن استخدامه لتطوير أنظمة تحلية مياه أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة، إضافة إلى ابتكار فلاتر متقدمة لمعالجة المياه المالحة والمياه الصناعية.
كما يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن المائي العالمي عبر خفض تكلفة إنتاج المياه العذبة في المناطق التي تعاني من شح الموارد.
لماذا قد تتفوق على الطاقة الشمسية والرياح؟
لماذا قد تتفوق على الطاقة الشمسية والرياح؟
يرى الباحثون أن أهم ما يميز الطاقة الزرقاء هو استقرارها واستمراريتها.
فبينما تتأثر الطاقة الشمسية بغياب الشمس وتتراجع طاقة الرياح عند هدوء الرياح، تستمر الطاقة الناتجة عن التقاء المياه العذبة والمالحة في العمل دون انقطاع وعلى مدار الساعة.
وهذا يجعلها مصدراً يمكن التنبؤ بإنتاجه بدقة، ويمنحها مكانة مهمة ضمن مزيج الطاقة العالمي خلال العقود المقبلة.
التحدي الأخير قبل الانطلاق
ورغم النتائج الواعدة، لا يزال أمام العلماء تحدٍ أساسي يتمثل في تصنيع هذه الأغشية بمساحات كبيرة وبتكلفة اقتصادية منخفضة.
فنجاح التقنية في المختبر لا يكفي وحده، بل يجب إثبات إمكانية إنتاجها صناعياً على نطاق واسع قبل أن تتحول إلى عنصر مؤثر في شبكات الكهرباء العالمية.
لكن إذا نجح الباحثون في تجاوز هذه العقبة، فقد تكون الطاقة الزرقاء أمام فرصة تاريخية للانتقال من المختبرات إلى الحياة اليومية.
ظهرت فكرة استغلال الفرق في ملوحة المياه لإنتاج الكهرباء منذ عقود، إلا أن محدودية كفاءة الأغشية النانوية أعاقت انتشارها تجارياً.
ومع التطورات الأخيرة في علوم النانو والمواد الحيوية، بدأ الباحثون يقتربون من حل المشكلات التقنية التي منعت هذه التكنولوجيا من المنافسة مع مصادر الطاقة الأخرى.
ويعتبرالغشاء الهجين الجديد من أبرز الإنجازات التي قد تعيد إحياء السباق العالمي للاستفادة من الطاقة الكامنة في مصبات الأنهار والمناطق الساحلية.