إذا كانت الحرب الأوكرانية الروسية جاذباً راهناً لقراءة الأدب الأوكراني، فوراء رواية “هناك حيث يختفي البشر” للكاتب الأوكراني أندريه كوكوتيوخا (الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ترجمة عماد الدين رائف، 2022)، جاذب أهمّ هو انفجار مفاعل تشيرنوبيل النووي عام 1986، الذي لا يزال معتبراً بين أكبر الكوارث الكونية. لا تتكلّم الرواية مباشرة عن الانفجار، لكنها، ولو بشكل غير مباشر، مبنيّة في موازاته.

الرواية ليست تاريخية ولا علمية كما قد يخطر لمن يقرأ هذا التقديم، لكنها مع ذلك أدبٌ لا يبعد عن الانفجار، بل لنقُل إنها وهي فانتازية بوليسية، تصنع ما يبدو من بعيد صدى للانفجار. بل يبدو أسطورة تقابل هذا الانفجار وتوازيه.
يتحول انفجار تشيرنوبيل في الرواية إلى خيال فانتازي. لا تزال منطقة جيتومير، حيث حدث الانفجار، محظورة، لكنها تغدو في الرواية، وخاصة بإحدى قراها، بيدلنسي، أرضاً ملعونة، وبلغة الرواية “منطقة شاذّة”، تستدعي أهلها الأوائل، بإلحاح داخلي للعودة إليها، لكي يختفوا بعدها أو يفقدوا ذاكرتهم. هذا ما يحدث لتامارا التي حملت بها أمّها في القرية، وولدتها بعد الانفجار في بلدة أُخرى. تفقد تامارا ذاكرتها، أمّا شاميراي محرّر صحيفة “حقائق لا تصدق” المعنية بفانتازيا العالم الموازي، فيغشى عليه ولا يذكر ما أصابه. لقد عاد هذان لكن بعد هول كبير، لم يختفيا إنما عميا تماماً عما تعرّضا له، واختفى ذلك من وعيهما. نحن هكذا لا نزال في انفجار تشيرنوبيل، وإن مضى الوقت عليه.
لا يزال الانفجار يعمل ولا تزال عواقبه مستمرة. هذا الاختفاء الذي حصد كثيرين، أو في الأقل طاول ذاكرتهم، هو صورة رمزية أو خيال أوّلي للانفجار، الذي هو في الواقع لا يزال يعمل، إذ لا يزال خطر الإشعاع قائماً. فانتازيا الاختفاء هذه التي جاء منها عنوان الرواية، هي ما يُمكن اعتباره أدب الانفجار. كوكوتيوخا يبني عليه فانتازيا كاملة، إذ لا نجد خيالاً أقوى يُعادله. الروائي بارع في ذلك إلى حدّ بعيد، إنه يعرض فيه قوة أدبية بارزة، إذ ينجح في خلق هذه الفانتازيا وتقصّيها وبنائها بروية وعلى مهل، بنداً بنداً. هكذا نتابعه بملء أنفاسنا خطوة وراء خطوة. نستغرق في ذلك ونتقبله وننتقل معه. ليس مروراً سريعاً هذا السياق الفانتازي، وليس عاجلاً أو قصيراً، حين نتمثله أو نستمد منه. ليس لحادث انفجار تشيرنوبيل أن يكون رواية بسعة أقل. ينجح الروائي في غرس هذا الخيال في واقع حقيقي، فلا تعود صحيفة “حقائق لا تصدّق” المعنية بالعالم الموازي مجرد استعارة. الخيال الفانتازي هكذا يجد واقعه، إنه واقعه الخاص، لكنه مع ذلك ذو حقيقة ما. إنه في غرابته وخياليته ذو قوة روائية يكاد معها يملك حقيقة ما.
المنطقة الملعونة واختفاء الناس فيها استعارة للعالم السوفييتي
مع ذلك تكتفي الرواية من لعبته بعد أن أظهر وأبرز تمكّنه منها. يكتفي منها ليباشر لعبة أُخرى لا تقلّ براعة وأهمية عنها. بعد الدرس الفانتازي نباشر درساً آخر لا جدال في مكانته الروائية، إنه الدرس البوليسي. بعد الرواية الفانتازية نجد الروائي يغادرها ليبني في مقابلها وفي موازاتها، بدون أن يخرج كلياً منها، فلا يزال في وقائعها، لكنها الآن ذات وجهة أُخرى وقراءة ثانية وأبعاد مختلفة، هي اللعبة البوليسية. اختفاء الناس هو جريمة دموية، وفقدانهم ذاكرتهم أمرٌ مزعوم، وقصة المنطقة الشاذة مخترعة، لتغطية خوف أصحابها الهائل. هكذا بعد الفانتازيا المرعبة ندخل في واقع لا يقلّ رعباً، لكنه هذه المرّة ليس أسطورياً بقدر ما هو واقعي، بل نغرق في ذلك لدرجة أننا لسنا أمام واقع فحسب، بل نحن في تحتيته، في عُمقه وأبعد ما فيه. هل نحن الآن بعيدون عن انفجار تشيرنوبيل أم أننا في صورة أُخرى له.
أليست تشيرنوبيل بهذا المعنى جريمة، لكن أي جريمة؟ لسنا بعدُ في العالم الموازي، الجريمة هذه المرّة في العالم الحقيقي، بدولته وناسه. انفجار تشيرنوبيل، كما تبين فيما بعد، هو خطيئة النظام أو درجة من إهماله، خطيئة وإهمال هُما العنوان الصحيح لسلوك النظام الحاكم آنذاك. المنطقة الشاذّة واختفاء الناس قد يكونان، وإن من جهة أُخرى، صورة ثانية واستعارة للعالم السوفييتي. ألم تخترع تامارا قصة المنطقة الشاذة وفقدان الذاكرة لكي تحبس في داخلها ما تعرفه، ولا تجسر على إفشائه، ألن تكون المنطقة الشاذّة اسماً آخر للنظام الشيوعي الذي انهار في نهاية القرن الماضي.
