في ظلّ الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتلاحقة، لم تعد معاناة اللبنانيين تقتصر على الضغوط المالية والأمنية، بل امتدّت إلى أزمة نفسية متفاقمة باتت تُهدّد قدرتهم على الاستمرار في حياتهم اليومية. ومع حلول شهر التوعية العالمي بالصحة النفسية، تُظهر مؤشرات وتقارير دولية ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب في لبنان منذ عام 2019، خصوصًا بين الشباب والنساء.
ويعيش اللبنانيون اليوم حالة من “الضغط المزمن”، نتيجة تراكم الأزمات من دون أي استقرار فعلي، ما جعل الصحة النفسية انعكاسًا مباشرًا للواقع المأزوم. وبحسب مراقبين، تحوّلت الاضطرابات النفسية من حالات فردية إلى نمط حياة يفرضه القلق المستمر وانعدام اليقين.
في المقابل، تواجه شريحة واسعة من اللبنانيين صعوبة في الحصول على العلاج النفسي بسبب كلفته المرتفعة، في ظل غياب أي نظام دعم أو تغطية فعّالة لهذا النوع من الخدمات. فأصبحت جلسة علاج واحدة تستنزف جزءًا كبيرًا من دخل الفرد، ما يزيد الشعور بالعجز والتوتر.
ومع تفاقم الأزمة، ظهرت أنماط جديدة من التكيّف النفسي، أبرزها الانعزال الاجتماعي، والعمل المفرط للهروب من الواقع، إضافة إلى ما يُعرف بـ”الهجرة النفسية”، حيث يخفّض الأفراد تفاعلهم مع محيطهم ويعيشون ضمن الحد الأدنى العاطفي لتجنّب المزيد من الضغوط.
ويحمل شعار شهر التوعية هذا العام عنوان “أيام أكثر جيدة… معًا”، في دعوة إلى تعزيز الدعم المجتمعي والتشجيع على اتخاذ خطوات بسيطة لتحسين الصحة النفسية، مثل تنظيم الوقت، والابتعاد عن الأخبار المقلقة قبل النوم، وطلب المساعدة من المقربين أو المختصين عند الحاجة.
ويؤكد مختصون أنّ المطلوب اليوم ليس الوصول إلى المثالية النفسية، بل الاعتراف بالمشكلة ومحاولة التعامل معها بواقعية، خاصة في بلد باتت فيه الصحة النفسية شرطًا أساسيًا للصمود والاستمرار.
