كتب باسم الموسوي

من السهل، في خضمّ الحروب، الوقوع في إغراء المقارنات التاريخية الجاهزة. هكذا عاد تعبير “لحظة السويس” إلى التداول مع حرب إيران 2026، كأنّ التاريخ يكرّر نفسه ببساطة: قوة إمبراطورية تتعثّر في حرب إقليمية، فتبدأ رحلة الأفول. غير أن هذا القياس، على جاذبيته، يخفي أكثر مما يكشف. فالعالم الذي أسقط الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية عام 1956 ليس هو العالم الذي تتحرك فيه الولايات المتحدة اليوم، ولا موقع واشنطن يشبه موقع لندن وباريس في منتصف القرن الماضي.
الفرق الأساسي أنّ الولايات المتحدة، رغم كل ما أصابها، ما تزال قوة كونية الامتداد. هي ليست مجرد لاعب عسكري، بل شبكة هيمنة متكاملة: اقتصاد عالمي تدور عجلته حول الدولار، تفوق تكنولوجي يقوده سباق الذكاء الاصطناعي، وانتشار جغرافي يمسك بنصف الكرة الغربي ويؤثر في بقيته. لذلك، حتى لو افترضنا أنّها خرجت من حرب إيران بهزيمة استراتيجية، فإن هذه الهزيمة وحدها لا تكفي لإسقاط إمبراطورية بهذا الحجم.
لكن هذا لا يعني أنّ كل شيء على ما يرام. ما أصاب الولايات المتحدة خلال العقود الماضية ليس مجرد تعثر عسكري، بل تحوّل عميق في بنيتها. لقد تغيّرت الرأسمالية الأمريكية من الداخل، فتموّلت ثم تقننت، وخرجت أصولها الإنتاجية وسلاسلها الصناعية إلى خارج الجغرافيا الوطنية. تآكلت منظومة القيم التي حكمت القرن العشرين، وتحولت السياسة إلى ساحة صراع مبتذل، فيما تراجعت دولة الرعاية لصالح نظام أكثر قسوة تجاه الفئات الهشة. هذه التحولات لا تُسقط الإمبراطوريات فورًا، لكنها تضعفها من الداخل، وتحدّ من قدرتها على ترجمة قوتها إلى نتائج حاسمة.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن ما جرى في حرب إيران يتجاوز مجرد “تعثر” عابر، ليشكّل دليلًا حيًا على هشاشة القوة الأمريكية نفسها. هنا تستعاد مقولة ماو تسي تونغ عن “النمر من ورق”: قوة تبدو مرعبة من الخارج، لكنها قابلة للانكسار عند أول اختبار حقيقي. بالنسبة لهذا الطرح، فإن فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما—من إسقاط النظام الإيراني إلى فرض شروط استراتيجية عليه—يكشف حدود القوة الإمبريالية، لا مجرد سوء استخدامها.
في هذا السياق، يُقرأ توقف الحرب عبر هدنة باعتباره انتصارًا نسبيًا لإيران، لأنها صمدت وأفشلت الأهداف المعلنة للعدوان. بل إنّ ما هو أبعد من ذلك يُطرح: أن هذا الفشل يعيد إلى الأذهان أزمة السويس 1956، حين أدى إخفاق عسكري محدود إلى كشف ضعف بنيوي عميق في الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، فبدأ مسار تراجعهما العالمي. وفق هذا المنظور، قد تكون حرب إيران لحظة مماثلة، تفتح الباب أمام أفول تدريجي للهيمنة الأمريكية وتحرر نسبي للمنطقة من قبضتها.
غير أن هذا الطرح، على جاذبيته، يواجه إشكالية واضحة: الولايات المتحدة ليست بريطانيا 1956، ولا العالم اليوم يسمح بانهيار سريع ومباشر لقوة بهذا الحجم. وهنا يقدّم المؤرخ ألفريد دبليو ماكوي مقاربة أكثر تركيبًا، تقوم على مفهوم “العسكرة المصغّرة”. فالإمبراطوريات، حين تبدأ بالتراجع، تميل إلى شنّ حروب استعراضية صغيرة لاستعادة هيبتها، لكنها غالبًا ما تنتهي إلى نتائج عكسية، تسرّع التآكل بدلًا من وقفه.
التاريخ، في نظر ماكوي، مليء بهذه اللحظات: أثينا في صقلية، البرتغال في المغرب، إسبانيا في شمال أفريقيا، وبريطانيا في السويس. في كل مرة، كانت الضربة العسكرية محاولة لإنقاذ المكانة، لكنها كشفت حدود القوة بدلًا من ترميمها. من هذا المنظور، يمكن قراءة حرب إيران بوصفها حلقة جديدة في هذا النمط: تفوق عسكري واضح، يقابله عجز عن تحقيق أهداف سياسية حاسمة، ما يؤدي في النهاية إلى إضعاف الهيبة وتآكل النفوذ.
ما يجعل الحالة الأمريكية أكثر تعقيدًا هو أنها تقع في منطقة وسطى بين هذين التفسيرين. فهي ليست إمبراطورية منهارة، لكنها أيضًا لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق. تفوقها العسكري ما يزال قائمًا، لكن فعاليته الاستراتيجية تتراجع. قدرتها على الحشد الدولي تتآكل، لكنها لم تختفِ. خصومها—روسيا والصين—لم يصلوا بعد إلى مستوى الهيمنة البديلة، لكنهم يضيّقون هامش حركتها.
في هذه المنطقة الرمادية يتحدد معنى حرب إيران الحقيقي. ليست “لحظة السويس” التي تسقط الإمبراطوريات دفعة واحدة، ولا مجرد حادث عابر يمكن تجاوزه بسهولة. هي أقرب إلى إشارة تحذير كبيرة: أن أدوات القوة التقليدية لم تعد كافية، وأن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها قدرة القوة الواحدة على فرض النظام.
النتيجة ليست سقوطًا فوريًا، بل بداية مسار. مسار تتآكل فيه الهيمنة تدريجيًا، وتزداد فيه كلفة استخدامها، وتضيق فيه المسافة بين القوة والقدرة على تحقيق الأهداف. أما ما إذا كان هذا المسار سينتهي بتكرار سيناريو السويس، أو سيتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا وطولًا، فذلك سؤال لم يحسمه التاريخ بعد. لكنه، بالتأكيد، بدأ يُطرح بإلحاح لم يعد ممكنًا تجاهله.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com