كتب باسم الموسوي
لم يعد الخطر اليوم في التكنولوجيا نفسها، بل في العقول التي تصوغها وتملكها وتقرر مسارات استخدامها، وفي هذا السياق يبرز اسم Alex Karنp لا بوصفه مدير شركة فحسب، بل باعتباره أحد أبرز منظّري مرحلة تاريخية جديدة تتآكل فيها الحدود بين الفكر والسلطة، وبين الدولة والسوق، وبين المعرفة والقوة. ما يجعل كارب ظاهرة تستحق التوقف عندها ليس نجاحه المالي ولا موقعه داخل شركة Palantir، بل المسار الذي سلكه: من تلميذ فيلسوف نقدي كبير مثل يورغن هابرماس إلى مهندس فعلي لأدوات السلطة التكنولوجية الحديثة، ومن باحث في إرث تيودور أدورنو إلى مدافع صريح عن منطق القوة بوصفه أساس النظام العالمي.
هذه المفارقة ليست عرضية ولا شخصية، بل تكشف عن تحوّل أعمق في طبيعة الفكر ذاته. فالفلسفة التي نشأ في ظلها كارب، أي الفلسفة النقدية لمدرسة فرانكفورت، قامت على تفكيك العلاقة بين العقل والهيمنة، وعلى كشف كيف يمكن للعقل الأداتي أن يتحوّل إلى أداة للسيطرة بدل أن يكون أداة للتحرر، غير أن كارب، بدل أن يواصل هذا المسار النقدي، أعاد توظيفه داخل مشروع مختلف تمامًا، مشروع لا يسعى إلى تفكيك السلطة بل إلى إعادة بنائها على أسس أكثر كفاءة وصلابة، حيث تصبح التكنولوجيا، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي، الوسيلة المركزية لتنظيم العالم وإدارته. وهنا تكمن النقلة الحاسمة: لم يعد السؤال كيف نقاوم الهيمنة، بل كيف نُحسن إدارتها.
في كتابه The Technological Republic يقدّم كارب رؤيته دون مواربة، فهو ينطلق من تشخيص يعتبر فيه أن الغرب فقد بوصلته، وأن وادي السيليكون انحرف عن دوره التاريخي حين انغمس في إنتاج تطبيقات استهلاكية تافهة بدل أن يكرّس نفسه لخدمة “المصلحة الوطنية”، ويرى أن الدولة تخلّت عن مشاريعها الكبرى وتركت المجال لقوى السوق لتحدد مسار الابتكار، وهو ما أدى، في نظره، إلى فراغ استراتيجي خطير. الحل الذي يقترحه لا يتعلق بإصلاح جزئي أو تنظيمي، بل بإعادة تشكيل العلاقة بين التكنولوجيا والدولة بشكل جذري، بحيث تصبح شركات التكنولوجيا جزءًا عضويًا من مشروع وطني أكبر، وتتحول النخبة الهندسية إلى فاعل مركزي في الدفاع عن الدولة وتعزيز قوتها، أي أن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا اقتصاديًا بل صارت امتدادًا مباشرًا للسيادة.
لكن الأخطر في فكر كارب لا يكمن فقط في هذا الطرح المؤسسي، بل في الأساس الفلسفي الذي يستند إليه، وهو أساس يعيد الاعتبار إلى القوة بوصفها شرطًا أوليًا للنظام العالمي. في النص الذي رفعته، يظهر كارب وهو يصرّح بوضوح أن تحسن العالم خلال العقود الماضية يعود إلى “قدرة أمريكا على تنظيم العنف” ، وهذه الجملة ليست زلة لسان، بل تعبير مكثف عن رؤية كاملة للعالم، رؤية تنقل العنف من خانة المشكلة إلى خانة الحل، وتعيد تعريفه كأداة عقلانية لإنتاج الاستقرار. هنا يتلاشى الفرق بين التحليل والتبرير، ويصبح العنف، بدل أن يكون موضوعًا للنقد، معيارًا للنجاح الحضاري، وهو انقلاب فكري حاد على الإرث النقدي الذي خرج منه كارب نفسه.
ما يزيد هذه الصورة تعقيدًا هو أن كارب لا يقف وحيدًا، بل ينتمي إلى فئة أوسع يصفها النص الذي قدمته بـ“المثقفين–الأوليغارشيين” ، وهي فئة جديدة في تاريخ السلطة تجمع بين ما كان منفصلًا تقليديًا: الثروة، والفكر، والمنصة، والقدرة التنفيذية. هؤلاء لا يكتفون بإنتاج الأفكار كما كان يفعل المثقفون الكلاسيكيون، ولا يكتفون بإدارة الشركات كما يفعل رجال الأعمال، بل يدمجون الاثنين في بنية واحدة، بحيث تتحول الفكرة إلى استثمار، والاستثمار إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على إعادة تشكيل الواقع. وبهذا المعنى، لم تعد النظرية تُناقش في الجامعات أو الكتب، بل تُختبر مباشرة في السوق، وتُفرض عبر التكنولوجيا، وتُطبّق على مجتمعات كاملة دون المرور بالمسارات الديمقراطية التقليدية.
هذا التحول ينعكس أيضًا على طبيعة الفضاء العام نفسه، فبينما كان هابرماس يرى أن الشرعية السياسية تنبثق من النقاش الحر داخل فضاء عمومي مفتوح، فإن ما نشهده اليوم هو تآكل هذا الفضاء لصالح بنى تكنولوجية تملكها شركات خاصة وتديرها خوارزميات، لكن المشكلة، كما يشير النص، لا تكمن في الخوارزميات بحد ذاتها بقدر ما تكمن في من يملكها، لأن هذه النخب التكنولوجية لا تتحكم فقط في تدفق المعلومات، بل في شروط إنتاجها وتداولها، وبالتالي في تعريف ما هو مقبول وما هو هامشي، وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل النقاش العام من الداخل، لا عبر القمع المباشر بل عبر إعادة هندسة البيئة التي يحدث فيها النقاش.
في هذا السياق، يصبح مشروع كارب جزءًا من دينامية أوسع حيث تتحول الأفكار إلى أدوات سلطة، وتتحول الشركات إلى حوامل أيديولوجية، وتتحول المنصات إلى فضاءات سيادية جديدة، بحيث لا يعود من الممكن الفصل بين الاقتصاد والسياسة أو بين التكنولوجيا والفكر. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: الفيلسوف الذي كان يُفترض به أن يقف على مسافة من السلطة أصبح أحد مهندسيها، والنقد الذي كان موجّهًا ضد الهيمنة أصبح مادة أولية لإعادة إنتاجها بشكل أكثر تعقيدًا وفعالية.
السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المسار ليس ما إذا كان كارب على صواب أو خطأ، بل ما إذا كنا ندرك حجم التحول الذي نعيشه، لأن ما يجري ليس مجرد صعود شركة أو بروز شخصية، بل إعادة تشكيل لبنية السلطة في العالم المعاصر، حيث تتداخل الدولة مع التكنولوجيا، ويتداخل الفكر مع رأس المال، ويتحول الإنسان نفسه تدريجيًا إلى عنصر داخل منظومة تُدار عبر البيانات والتحليل الخوارزمي. في هذا العالم الجديد، لا يُطلب من الفرد أن يوافق أو يعترض، بل أن يُدمج، أن يُقاس، أن يُتوقع سلوكه، وأن يُدار ضمن شبكة من الأنظمة التي تدّعي الكفاءة والحياد بينما تحمل في طياتها رؤى محددة للعالم وللإنسان.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن هذا التحول لا يحدث عبر انقلاب صاخب أو إعلان أيديولوجي واضح، بل عبر عملية تراكمية هادئة تُقدَّم على أنها تقدم تقني أو ضرورة أمنية أو استجابة لمخاطر عالمية، بينما هي في جوهرها إعادة تعريف لماهية السلطة ولحدودها، وإذا كان كارب يمثل أحد أبرز وجوه هذه المرحلة، فذلك لأنه يجمع في شخصه ما كان متفرقًا: الفيلسوف، ورجل الأعمال، والمقاول الأمني، والمنظّر السياسي، وهو بهذا المعنى ليس استثناءً، بل طليعة، طليعة لعصر قد لا تُحكم فيه المجتمعات فقط بالقوانين والمؤسسات، بل بالخوارزميات التي تعمل في صمت، وتعيد تشكيل الواقع دون أن تحتاج إلى إعلان نفسها كسلطة.
