لم يكن استهداف الجسور فوق نهر الليطاني خلال مارس 2026 مجرد رد عسكري عابر، بل بدا جزءاً من خطة إسرائيلية متكاملة جرى التحضير لها منذ أشهر داخل منشأة تدريب أقيمت فوق أنقاض قرية سورية مهجورة في هضبة الجولان المحتلة، في مشهد يكشف كيف تحوّلت الهدنة إلى مرحلة إعداد ميداني لحرب جديدة على لبنان.
التحقيق الذي استند إلى صور أقمار صناعية وبيانات ميدانية أظهر أن “إسرائيل” بدأت عملياً بتجهيز قواتها لسيناريو اجتياح بري واسع في جنوب لبنان، عبر إنشاء نموذج قتالي يحاكي القرى اللبنانية بدقة داخل قرية زعورة السورية المهجورة، الواقعة قرب خط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل.
الشرارة العلنية للخطة ظهرت في 19 مارس 2026 عندما تعرّض جسر الكنايات فوق الليطاني لغارة إسرائيلية ثانية أثناء وجود فريق إعلامي تابع لقناة “روسيا اليوم”، ما أدى إلى إصابة المراسل البريطاني ستيف سويني والمصوّر علي رضا، وتدمير الجسر بالكامل. لكن التحقيق يؤكد أن العملية لم تكن منفصلة، بل جزءاً من سلسلة ممنهجة استهدفت تسعة جسور ومعابر حيوية لعزل جنوب الليطاني وقطع خطوط الحركة والإمداد.
WOW, Israeli strike lands near RT reporter Steve Sweeney and a cameraman in southern Lebanon today.
They could have died
— Ragıp Soylu (@ragipsoylu) March 19, 2026
وبحسب المعطيات، فإن “إسرائيل” بدأت منذ سنوات بتحويل قرية زعورة السورية إلى مجمع تدريبي ضخم يحاكي “قرية جنوبية لبنانية”، وفق ما وصفته تقارير إسرائيلية. وشملت المنشأة مباني متعددة الطوابق، وأنفاقاً، ومحاور اشتباك ضيقة، ومناطق مدمّرة تحاكي بيئة القصف الشامل التي شهدها قطاع غزة.
اللافت أن صور الأقمار الصناعية أظهرت تسارعاً هائلاً في أعمال البناء بين عامي 2024 و2025، حيث تحولت أطلال القرية السورية إلى منشأة قتالية متكاملة حملت اسم “المجمّع التدريبي الشمالي”، وتدربت فيها وحدات النخبة الإسرائيلية نفسها التي شاركت لاحقاً في العمليات العسكرية على الحدود اللبنانية.
وضمن التدريبات، نفذت قوات إسرائيلية سيناريوهات لاحتلال “مجمع في قلب ريف لبنان”، عبر هجمات متزامنة، وتنسيق بين المشاة والمدرعات والقناصة، إضافة إلى تدريبات على “تطهير” المناطق فوق الأرض وتحتها، في إشارة واضحة إلى حرب الأنفاق والمواجهات داخل القرى.
كما أظهرت المعطيات أن “إسرائيل” واصلت تدريباتها المكثفة خلال فترة الهدنة، بما في ذلك مناورات ضخمة للفرقة 91 على الحدود اللبنانية، وتمارين مفاجئة في الجولان، وصولاً إلى تدريبات لواء ناحال مطلع فبراير 2026 على اقتحام المباني والقتال داخل المناطق المدمرة.
ويشير التحقيق إلى أن ما جرى في جنوب لبنان يحمل ملامح نسخة معدلة من نموذج الحرب في غزة، تقوم على العزل عبر تدمير البنية التحتية، ثم التقدم البري البطيء مع اعتماد سياسة الأرض المحروقة وتدمير المناطق التي يتم السيطرة عليها.
وتكشف المعطيات الميدانية والبيانات العملياتية الإسرائيلية أن الوحدات التي تدربت داخل منشأة “زعورة” المقامة فوق أنقاض القرية السورية المهجورة في هضبة الجولان المحتلة، كانت نفسها التي شاركت لاحقاً في عمليات التوغل داخل جنوب لبنان خلال مارس وأبريل 2026، ما يعزز فرضية أن تل أبيب أعدّت منذ فترة طويلة لخطة عسكرية مفصلة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الأمني جنوب نهر الليطاني.
وتُظهر بيانات الخسائر الإسرائيلية أن الفرقة 98، بألوية المظليين والكوماندوز واللواء السابع المدرع، قادت معركة بنت جبيل بعد نشرها رسمياً في 7 أبريل/نيسان، فيما ظهر اللواء 401 لاحقاً في قوائم القتلى بعد مقتل جندي من الكتيبة التاسعة في 29 مارس/آذار. كذلك شاركت الفرقة 36، التي يتبع لها اللواء السابع، في العمليات على المحور الشرقي منذ بداية الاجتياح البري.
وبحسب التحقيق، فإن “إسرائيل” لم تكن تتعامل مع الحرب كاستجابة ظرفية لإطلاق الصواريخ، بل كانت تُحضّر لقواعد اشتباك جديدة خلال فترة الهدنة نفسها، بما في ذلك التدريب على احتلال القرى، والسيطرة على البنى التحتية، وتطبيق نموذج “العزل الميداني” عبر فصل جنوب الليطاني عن باقي الأراضي اللبنانية.
أبرز ما كشفه التحقيق هو الاستهداف المنهجي للجسور فوق الليطاني، في نمط لم تشهده حرب 2024 بهذا المستوى من التنظيم. فقد وثقت وحدة التحقيقات الرقمية تدمير أو استهداف تسعة جسور رئيسية وفرعية تمتد من الشرق إلى الساحل، في عملية بدت أقرب إلى هندسة جغرافية لساحة المعركة.
🚨🇮🇱🇱🇧 Israeli airstrike just took out the Qasmiyeh Bridge over the Litani River in southern Lebanon.
Cutting off supply routes and movement corridors.pic.twitter.com/vKUhwbIYk2 https://t.co/qT5AOrjTKV
— Mario Nawfal (@MarioNawfal) March 22, 2026
بدأت الضربات في 12 مارس/آذار باستهداف جسر ثانوي في وادي الحجير، قبل أن يُدمّر جسر الزرارية الرئيسي في اليوم التالي، وهو أحد أهم الشرايين التي تربط صور والنبطية وبنت جبيل والزهراني.
وفي 18 مارس/آذار توسعت الضربات غرباً، حيث تعرض جسر الكنايات لغارتين متتاليتين، الثانية وقعت أثناء وجود فريق قناة “روسيا اليوم” في المكان، ما أدى إلى إصابة المراسل البريطاني ستيف سويني والمصور علي رضا، وتدمير الجسر بالكامل.
لاحقاً، استهدفت “إسرائيل” جسر الطريق الساحلي بين صور وصيدا، ثم جسر الدلافة الرابط بين حاصبيا والبقاع الغربي، وصولاً إلى جسر القاسمية الذي تعرض للتدمير التدريجي بين 8 و16 أبريل/نيسان، باعتباره أهم معبر ساحلي بين صور وصيدا.
لكن اللافت أن جسر الخردلي بقي صالحاً جزئياً للاستخدام، بعدما قصفت إسرائيل الطريق المؤدي منه نحو النبطية فقط، ما دفع التحقيق إلى ترجيح أن الجيش الإسرائيلي أبقاه مفتوحاً لاستخدامه لاحقاً في أي توسع بري محتمل نحو الشمال.
يربط التحقيق بين هذه العمليات وبين العقيدة العسكرية الجديدة التي يقودها رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، القائمة على التقدم البري البطيء، وتثبيت السيطرة، ثم تدمير المناطق التي يجري احتلالها بصورة ممنهجة، وهي الآلية نفسها التي اعتمدتها إسرائيل في بيت حانون وخان يونس ورفح داخل قطاع غزة.
وفي مارس 2026 أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي “إسرائيل” كاتس أن العمليات في جنوب لبنان ستُدار وفق النموذج نفسه الذي طُبق في غزة، بما يشمل تدمير القرى الحدودية وإنشاء “منطقة أمنية” تمتد حتى الليطاني، بالتزامن مع فرض ما سُمي “الخط الأصفر”، الذي يمنع السكان من العودة إلى عشرات القرى الجنوبية.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية، وفق التحقيق، أن القرى الواقعة جنوب هذا الخط تعرضت لدرجات تدمير مرتفعة جداً، خصوصاً في رشاف وبيت ليف وحنين وعيتا الشعب، فيما شهدت بعض القرى المسيحية دماراً أقل نسبياً، رغم امتداد العمليات إليها للمرة الأولى بهذا الشكل.
تم رصد تقدم بري إسرائيلي عبر عدة محاور، شاركت فيه خمس فرق عسكرية، بينها الفرقتان 98 و162. ووصلت القوات الإسرائيلية إلى مناطق تقع على عمق يتراوح بين 3 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية خلال أسابيع قليلة، وهو معدل أسرع من حرب 2024.
وشملت نقاط التوغل مناطق قرب طيبة والبياضة وكفركلا وصف الهوا وبيت ليف، وصولاً إلى محيط بنت جبيل التي فرضت عليها الفرقة 98 حصاراً في منتصف أبريل/نيسان.
ويشير التحقيق إلى أن السيطرة النيرانية الإسرائيلية على الطريق الممتد من الناقورة حتى العديسة، بالتزامن مع تدمير الجسور، تعكس سعياً واضحاً لفصل جنوب الليطاني ميدانياً، وربما التمهيد لتوسيع العمليات لاحقاً نحو النبطية وقانا وصور.
ورغم التقدم الإسرائيلي، يلفت التحقيق إلى أن تطبيق “نموذج غزة” في جنوب لبنان يواجه تحديات مختلفة، أبرزها طبيعة الأرض الجبلية والوديان والقرى المرتفعة، وهي بيئة تمنح أفضلية لحرب العصابات والكمائن، وتحدّ من فعالية المدرعات والطيران.
كما أن استمرار عمليات حزب الله، رغم عزل الجنوب وتدمير الجسور، يعكس قدرة على التكيّف عبر مجموعات صغيرة وطائرات مسيّرة وتقنيات اتصال يصعب التشويش عليها، حتى وإن لم تؤدِّ حتى الآن إلى خسائر إسرائيلية كبيرة تغير مسار المعركة.
ويخلص التحقيق إلى أن ما يجري جنوب الليطاني يتجاوز كونه عملية عسكرية مؤقتة، ليطرح سؤالاً أكبر حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض واقع أمني دائم شبيه بما فعلته في غزة، أم أنها تستخدم هذا الضغط كورقة تفاوض ضمن ترتيبات إقليمية أوسع مرتبطة بإيران والمنطقة.
تحقيق الجزيرة
