يتواصل القصف الإسرائيلي على بلدات جنوب لبنان، في مشهد يعكس تصعيدًا ميدانيًا متدحرجًا يعيد تثبيت واقع الجبهة المفتوحة، رغم الحديث عن وقف إطلاق النار في مناطق أخرى من البلاد.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام، اليوم الجمعة، بأن دراجة نارية تعرّضت للاستهداف في بلدة المنصوري (قضاء صور)، بالتزامن مع دويّ صفارات الإنذار في رأس الناقورة بالجليل الغربي، تحسّبًا لتسلّل طائرة مسيّرة. كما أطلقت دبابة “ميركافا” الإسرائيلية المتمركزة في بلدة البياضة عدة قذائف باتجاه محيطها.
وامتد القصف المدفعي ليشمل وادي الحجير وأطراف بلدات فرون والغندورية وتولين، إضافة إلى بلدة كونين في قضاء بنت جبيل. كذلك استُهدف محيط كفرشوبا، إلى جانب بلدات بني حيان وطلوسة وياطر وبرعشيت، ضمن سلسلة غارات طالت عشرات القرى الجنوبية.
في السياق، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط شهيدين وإصابة عشرة أشخاص في حصيلة أولية لغارة استهدفت بلدة النبطية الفوقا، وسط توقعات بارتفاع عدد الضحايا نتيجة صعوبة وصول فرق الإنقاذ إلى بعض المناطق المستهدفة.
ووفق مراسلة ميدانية، يُعدّ هذا التصعيد من الأعنف منذ إعلان وقف إطلاق النار، إذ طال القصف أكثر من 50 بلدة جنوبية خلال يوم واحد، مع تنوّع في أساليب الاستهداف بين غارات جوية وقصف عبر الطائرات المسيّرة والمدفعية.
وأشارت المعطيات إلى اعتماد نمط متكرر في الضربات، يبدأ باستهداف مواقع مأهولة، يعقبه قصف يمنع فرق الإسعاف من الوصول إلى المصابين، ما يزيد من تعقيد العمليات الإنسانية في الميدان.
كما أصدر الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الماضية أوامر إخلاء واسعة شملت عشرات البلدات في صور وبنت جبيل والنبطية، قبل أن تتعرض هذه المناطق لاحقًا للقصف، بما فيها مناطق تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن الحدود.
وأدّى هذا التصعيد إلى موجة نزوح جديدة، في وقت بدت فيه مساحات واسعة من الجنوب شبه خالية من سكانها، وسط دمار متواصل يطال البنية السكنية.
في المقابل، تشير التطورات الميدانية إلى أن استمرار الاعتداءات يقابله تمسّك واضح بمعادلات الردع القائمة، ما يجعل الجنوب ساحة اشتباك مفتوحة تُدار وفق توازنات دقيقة تفرضها الوقائع على الأرض.
يأتي هذا التصعيد في سياق توتر مستمر على الجبهة الجنوبية منذ اندلاع الحرب في غزة، حيث شهدت الحدود اللبنانية–الفلسطينية تبادلًا شبه يومي للضربات. وعلى الرغم من إعلان تفاهمات تهدئة في مراحل سابقة، إلا أن وتيرة العمليات لم تتوقف، مع سعي إسرائيل لتوسيع نطاق الاستهدافات جغرافيًا، مقابل تثبيت قواعد اشتباك جديدة من قبل المقاومة، تقوم على الرد التدريجي ومنع فرض وقائع ميدانية أحادية.
هذا الواقع يعكس تحوّل الجنوب إلى نقطة ضغط إقليمية، تتقاطع فيها حسابات عسكرية وسياسية، في ظل ترقّب لمسارات التصعيد أو الانفراج في المنطقة.
