كتب باسم الموسوي
ليس ما يجري في المشرق اليوم مجرد تداعيات حرب، بل إعادة صياغة لميزان سياسي كامل يُراد له أن يُحسم عبر لحظة ضعف تاريخية. في ظاهر المشهد، تتكاثر الدعوات إلى “الاستقرار” و“التسوية” و“إنهاء النزاعات”، لكن في عمقه يتشكل سؤال أكثر حدّة: هل نحن أمام سلام متكافئ، أم أمام محاولة لفرض وقائع استسلامية تحت ضغط الانهاك؟
ثمّة قراءة ترى أن ما يُطرح على لبنان وسوريا ليس تسوية، بل تفكيك تدريجي لعناصر القوة فيهما. الفكرة بسيطة في ظاهرها وخطيرة في جوهرها: نزع السلاح من الأطراف الحساسة، تقليص القدرة على الردع، وإدخال البلدين في ترتيبات أمنية طويلة الأمد تُعيد تعريف موقعهما في الإقليم. جنوب منزوع السلاح هنا، وحدود مضبوطة هناك، وتفاهمات تُرحّل القضايا الكبرى إلى مستقبل غير منظور. بهذا المعنى، لا يُصنع السلام كعقد متوازن، بل كعملية هندسة سياسية تُنتج واقعاً جديداً تُسحَب منه إمكانية المواجهة.
في هذا السياق، يُنظر إلى لبنان لا بوصفه ساحة مستقلة، بل بوصفه المدخل. فإذا أمكن فرض معادلة جديدة فيه، يصبح الانتقال إلى سوريا أكثر قابلية للتحقق. ليست المسألة تقنية أو عسكرية فقط، بل نفسية وسياسية: خلق سابقة، كسر محرّم، تحويل ما كان مستحيلاً إلى خيار مطروح، ثم إلى أمر واقع. وهنا تحديداً تظهر المفارقة القاسية: جزء من الرهان لا يقوم على قوة الخارج فقط، بل على ضعف الداخل—على الانقسام، والتعب، والرغبة في الخلاص بأي ثمن.
لكن ثمة قراءة أخرى، مغايرة تماماً، ترى في اللحظة الراهنة فرصة لا تُعوّض. من هذا المنظور، ما أفرزته الحرب الأخيرة—من إنهاك، وتبدلات داخلية، وتراجع في بعض مراكز القوة—يفتح نافذة سياسية قد لا تتكرر. لبنان، في هذه القراءة، يشهد تحولات داخلية عميقة: أزمة اقتصادية خانقة، نزوح واسع، وتزايد الانتقادات للقوى المسلحة خارج الدولة. وسوريا، بدورها، تمرّ بمرحلة إعادة تشكيل للسلطة ومحاولة لاكتساب شرعية داخلية وخارجية، مع خطاب أكثر براغماتية تجاه الأمن والاستقرار.
ضمن هذا الفهم، لا يعود الحديث عن “فرض” تسوية بقدر ما يصبح حديثاً عن “اقتناص” فرصة. إذا كانت موازين القوى تميل مؤقتاً، فلماذا لا تُستثمر لإنتاج اتفاقات تغيّر قواعد اللعبة؟ وإذا كان الخصم في أضعف حالاته، فلماذا الانتظار حتى يستعيد توازنه؟ هكذا يُعاد تعريف اللحظة: ليست لحظة خطر، بل لحظة إمكانية.
غير أن هذه الرؤية نفسها لا تخلو من إدراك للعقبات. فلبنان ليس فراغاً سياسياً يمكن إعادة ترتيبه بسهولة، وسوريا ليست مجرد ملف أمني يُحل بتفاهم تقني. هناك بنى عميقة من عدم الثقة، توازنات داخلية هشّة، وذاكرة صراعات تجعل أي انتقال نحو “السلام” محفوفاً بمخاطر انفجار داخلي. السؤال لا يعود فقط: هل يمكن الوصول إلى اتفاق؟ بل: هل يمكن لهذا الاتفاق أن يصمد دون أن يُفجّر ما تحته؟
إلى جانب هاتين القراءتين، يبرز بُعد ثالث لا يقل أهمية: موقع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فمنذ نشأة إسرائيل، لم يكن تحالفها مع واشنطن تفصيلاً، بل ركيزة أساسية في تصورها للأمن. هذا التحالف منحها تفوقاً عسكرياً، وغطاءً سياسياً، وامتداداً اقتصادياً. لكنه، في الوقت نفسه، طرح معضلة دائمة: كيف تحافظ على قوة مستمدة من الخارج دون أن تتحول إلى تابع كامل له؟
اليوم، تتفاقم هذه المعضلة. فكلما تعمّق الارتباط بواشنطن، ازدادت القدرة على الحسم، لكن ازداد أيضاً خطر الارتهان لخياراتها. السياسة الأمريكية متقلبة، وتحالفاتها تخضع لتوازنات داخلية بين أحزاب ومصالح. ما يبدو اليوم دعماً مطلقاً قد يتحول غداً إلى ضغط أو إعادة تموضع. وهنا يكمن التحدي: كيف يمكن لدولة أن تبني استراتيجيتها على قوة خارجية، دون أن تفقد هامش قرارها المستقل؟
الأمر لا يتوقف عند السياسة، بل يتعداه إلى الهوية. حين تُعرّف إسرائيل نفسها كجزء من “الحضارة الغربية” ومدافعة عنها، فإنها لا تكسب فقط حلفاء، بل تضع نفسها أيضاً في قلب صراعات كبرى تتجاوز الإقليم. هذا التموضع قد يعزز شرعيتها في بعض الدوائر، لكنه يعرّضها في المقابل لمخاطر الاصطفاف في عالم يتجه نحو استقطاب متزايد.
في تقاطع هذه المستويات الثلاثة—الضغط نحو تسويات، قراءة الفرصة السياسية، وحدود التحالفات الكبرى—يتحدد شكل المرحلة المقبلة. ليست المسألة ما إذا كان السلام ممكناً، بل أي نوع من السلام يُراد فرضه أو تحقيقه. هل هو سلام ينهي الصراع عبر توازن جديد، أم سلام يُنهي طرفاً ويُبقي الآخر في موقع الهيمنة؟
ما يبدو مؤكداً أن اللحظة الراهنة ليست عابرة. إنها لحظة اختبار: لإرادة الداخل وقدرته على الصمود أو التكيّف، ولقدرة الخارج على فرض رؤيته أو تسويقها، ولحدود القوة حين تتحول من أداة حسم إلى أداة إعادة تشكيل. بين هذه العناصر، يتقرر ما إذا كان ما يُصاغ اليوم سيُقرأ غداً كتسوية تاريخية، أم كفصل جديد في صراع لم يُحسم بعد.
