محلي – خاص مركز بيروت للأخبار
تواصل “إسرائيل” تكريس معادلة النار تحت غطاء الهدنة، عبر تصعيد ميداني خطير في جنوب لبنان، حيث فجّر جيش الاحتلال أحياءً سكنية كاملة في مدينة بنت جبيل، في مشهد يعكس انتقال العمليات من الضغط العسكري إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة.
هذا التصعيد ترافق مع عمليات حرق وتفجير ممنهجة طالت منازل في بلدتي ميس الجبل و الخيام، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل/نيسان، والمفترض أن يستمر حتى نهاية الأسبوع.
المعطيات الميدانية التي تناقلتها وسائل إعلام لبنانية إلى جانب ما أكدته الوكالة الوطنية للإعلام، تكشف عن نمط عملياتي متكرر منذ ساعات الفجر الأولى، حيث استهدفت القوات الإسرائيلية الأحياء السكنية بشكل مباشر، لا سيما في حي المفيلحة غربي ميس الجبل، وصولاً إلى تنفيذ تفجيرات جديدة في الخيام بقضاء مرجعيون. هذا السلوك لا يُقرأ كخروقات عابرة، بل كسياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى فرض واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية.

في موازاة ذلك، تتوسع دائرة الاستهداف لتشمل الجسم الإعلامي، حيث أعلنت نقابة محرري الصحافة اللبنانية ارتفاع عدد الصحفيين الذين قضوا منذ الثاني من مارس/آذار إلى 27، في مؤشر بالغ الخطورة على طبيعة المعركة الدائرة، والتي باتت تضرب كل مفاصل الحياة، من المدنيين إلى الإعلاميين، ضمن مشهد حرب مفتوحة بأدوات متعددة.
الجيش الإسرائيلي، من جهته، يواصل تبرير عملياته عبر روايات ميدانية تتحدث عن استهداف “منصات إطلاق” واستهداف عنصر من حزب الله في غارة جوية على منطقة سجد، إضافة إلى اعتراض “هدف جوي مشبوه” استهدف تجمعاً لجنوده في الجنوب. إلا أن استخدام هذا المصطلح غالباً ما يشير إلى مسيّرات، ما يعكس تصاعد المواجهة غير التقليدية، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول مواقع الاشتباك أو حجم الخسائر.
الأخطر في الموقف الإسرائيلي، ليس فقط استمرار العمليات، بل الإعلان الصريح عن نية البقاء والتمركز في جنوب لبنان خلال فترة وقف إطلاق النار. هذا الإعلان يترافق مع تحذيرات مباشرة للسكان بعدم التحرك جنوب الخط المحدد أو الاقتراب من نهر الليطاني، إلى جانب فرض حظر على العودة إلى أكثر من 40 بلدة وموقعاً، في خطوة تُكرّس واقعاً أشبه بمنطقة عازلة مفروضة بالقوة.
سياسياً، تتقاطع هذه التطورات مع حراك دبلوماسي حذر، حيث تستعد واشنطن لاستضافة جولة جديدة من المحادثات التمهيدية بين لبنان و”إسرائيل” على مستوى السفراء.
وبحسب مصادر لبنانية، فإن بيروت ستدفع باتجاه تمديد وقف إطلاق النار ووقف عمليات هدم المنازل في القرى الجنوبية، في محاولة لاحتواء الانفجار الميداني.
في المقابل، شدد النائب حسن فضل الله على أن الالتزام بالهدنة يجب أن يكون متبادلاً، محذراً من أن أي انزلاق نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل قد يعمّق الانقسام الداخلي. هذا الموقف يعكس حساسية المرحلة، حيث تتقاطع الحسابات الميدانية مع التعقيدات السياسية الداخلية.
ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة مؤقتة قابلة للتجديد، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى انهيار تدريجي لهذا المسار، في ظل استمرار الخروقات اليومية التي أسفرت عن سقوط ضحايا، كان آخرهم الصحفية آمال خليل التي ارتقت في غارة إسرائيلية يوم أمس استهدفت سيارتها مع زميلتها زينب فرج حيث هرعت الصحفيتان للحتماء بمنزل ما لبث القوات الإسرائيلية أن قصفته في بلدة الطيري.
ولعل ما يجري في الجنوب لم يعد مجرد تصعيد، بل إعادة رسم لخطوط الاشتباك، في وقت تتراجع فيه فعالية الضمانات الدولية، وتُترك الميدان ليحكمه ميزان النار.
