في خطاب الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي ألقاه يوم الجمعة 17 نيسان/أبريل 2026، كثير من الجهد المبذول لبناء علاقة شعورية انفعالية مع جمهور المواطنين، بهدف الاستحواذ على اهتمامهم وتأييدهم للمسار الذي يرغب وفريقه في انتهاجه راهناً، التزاماً بتعهداته الإقليمية والغربية والدولية السابقة، ورغبة في الانقلاب على روابط لبنان المستقرّة مع محيطه العربي والشرقي. لكن الخطاب لم يكن موفقاً، وبدا الفشل حليفه – على الأرجح – بسبب عدد من الأسباب، منها الشخصي الكاريزمي، والفشل الأدائي، والتهافت المنطقي للمحتوى السياسي.
أحاول هنا الإشارة سريعاً إلى بعض التضمينات والافتراضات المسبقة، التي لم يوفق فيها وبها رئيس الجمهورية إلى تقديم رسالة ناجحة، ورؤية واضحة محدّدة، فخابت محاولته الطموحة إلى طرح مسار سياسي، إقليمي، يفضي إلى تموضع لبنان في المحور الخليجي – الأمريكي، والصهيوني تبعاً، ولم يبق له إلا أن يقول الأمر لي!
أهم التضمينات والافتراضات المسبقة:
• إنهاء “وحدة الساحات”
اعتبر رئيس الجمهورية أن لبنان “لم يعد ورقة في جيب أحد”، فأراد بذلك أن لبنان اتخذ منذ الآن موقفاً مضاداً لإيران وسياستها المقاومة للتغوّل الأمريكي في المنطقة، من دون أن يبالي فخامته بالاصطفاف الرسمي اللبناني ضد أبناء شعبه ومقاومته – أقلّه على مستوى الرئاسة الأولى والثالثة – إلى جانب الكيان الصهيوني المحتلّ للبنان، وفق ما أكّده السفير الصهيوني في واشنطن، ولم يكّذبه الحكم اللبناني!
• حصر السلاح بيد الدولة:
شدّد أيضاً على “قوة مسلّحة واحدة تحمينا جميعاً” في رسالة غير مباشرة بضرورة انتهاء المظاهر المسلحة لغير الجيش اللبناني، مما يشير ضمنياً إلى مستقبل سلاح المقاومة.
لكن رئيس الجمهورية، الذي يرى المقاومة للعدو الصهيوني حرباً يقودها الآخرون ضد آخرين، لم يوضح موقف لبنان الرسمي من الحرب ككلّ استنقاذاً للحقوق الوطنية، كما لم يوضح موقفه من احتلال أجزاء من أرضه وما يلحقه العدو الصهيوني من خسائر بالبشر والحجر، من دون أن يقوى النظام الرسمي على فعل شيء أو قول شيء!
والتساؤل يشتدّ حين نرى أن وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي لم يقدّم حتى اليوم مراجعات واحتجاجات ودعاوى ضد الاحتلال الصهيوني للبنان.
• التمهيد لاتفاقية سلام دائمة:
استخدم فخامته مصطلح الانتقال من وقف إطلاق النار إلى “اتفاقات دائمة” مع إسرائيل، وأكّد أن المفاوضات المباشرة هي “فعل قوة لا ضعف”، من دون أن يثبت سابقاً وراهناً أي مؤشر من مؤشرات القوة. لكنه ضمّن كلامه نية جدية للوصول إلى ترتيبات حدودية وسياسية ثابتة برعاية دولية، بالرغم من أنه ورئيس حكومته لا يملكون غير الدبلوماسية المجرّدة من أيّ عامل قوة، وفق اعترافه الشخصي، إذ سبق له التأكيد أنه عرض التفاوض، وجلس إلى الطاولة، لكنهم – الصهاينة – ما يزالون يرفضون؛ ولمَ يقبلون اليوم يا ترى؟!
أما نائب رئيس حكومته طارق متري فورقة القوة في التفاوض التي يملكها لبنان – برأيه – هي مجرد “كونه ضحية”!
أما وزير خارجيته يوسف رجّي، الذي وصف نفسه بالتيس، فقد نفى امتلاك لبنان قوة عسكرية أو اقتصادية للتفاوض من موقع قوة، ولم يجد غير البكاء على أكتاف المسؤولين الأمريكيين وسيلةً إلى أن يحنّوا ويعطفوا على لبنان.
أما وزير الدفاع اللواء ميشال منسى فأقرّ بالوهن والعجز، وكانت إجابته لما سئل عن وسيلة الدفاع عن لبنان بأنها “البرستيج”، من دون أن يوضح إن كان البرستيج ذا أصل فرنسي أو سويسري أو روسي!
• الرسائل المبطّنة لـ “المغامرين”:
اتهم طائفة من اللبنانيين الذين يدافعون عن قراهم ومدنهم الجنوبية بأنهم يراهنون على غير الدولة، ووصفهم بـ”المغامرين”، محذّراً إياهم من أن “مشروع الدولة هو الأقوى”. لكن دولته المزعومة لا ملامح قوة لها، وهو الذي يهدد برتابة بأن قرار “حصرية السلاح” اتّخذ ولا رجعة عنه، و”بيروت مدينة منزوعة السلاح”… وذلك تلبية لطلبات الدول الخارجية والأطراف الدولية، من دون أن يكون هناك إرادة حقيقية للدولة اللبنانية (والمحاصصة مستمرة)، ومن دون خطوات فعلية على طريق بناء المؤسسات والدولة. ويكفي أن نرى كوارث الودائع، والكهرباء، والمياه، والإدارة… لنقف على انتفاء المصداقية في خطاب رئيس الجمهورية، إذ يعدهم بدولة ناجزة، وهي دولة فاشلة.
• التوجه نحو الغرب والموالين له من العرب:
شكر عون الولايات المتحدة (خاصة الرئيس ترامب) والمملكة العربية السعودية…، مع تجاهل ذكر إيران، التي لم يكن اتفاق النار ليجد محلاً له لولا إصرارها على مبادلة المقاومة الوفاء وجعل وقف إطلاق النار على جبهة لبنان شرطاً من شروط اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية؛ والدليل أن الاحتلال الصهيوني في تلك العشية كان يعلن تعميق منطقة الاحتلال والعمليات، ويتوعّد باحتلال بنت جبيل، وينذر قرى جنوب الزهراني!
فهل على المواطن العادي أن يؤمن بأن اتصالاً تلفونياً فعل فعله السحري في ضمير نتنياهو؟ أم عليه أن يؤمن أن دونالد ترامب المتغوّل صديق حميم للرئيس عون، وقد أكرمه بإجابة طلب وقف إطلاق النار؟
كان يمكن للرئيس أن يتخذ مساراً سياسياً شاملاً تلقاء الغرب لو كان يملك من القوة شيئاً، لكنه – من أسفٍ – لن تسعفه الخطابات في دحض الوقائع الميدانية وميزان الدعم الإيراني للبنان وحلفائه السياسيين، حيث يتوالى الدعم سياسياً في مواجهة الغرب قاطبة، كذلك الدعم الإعماري، ثم الإنمائي (مستشفيات، مدارس…)، وقبل ذلك العسكري…
يتوهم الرئيس أنه استعاد القرار الوطني فيما هو يغرق في التزلف للأمريكيين، ويتزحلق على المزلاج الصهيوني، وصولاً إلى التطبيع الذي يشكّل مطلباً لأولئك، من دون أن يضمن حقوق الشعب اللبناني، خصوصاً شعب الجنوب، الذي لن يفرّط بحقوقه التاريخية بأرضه وتاريخه وثرواته الطبيعية.
• يتوهّم الرئيس أيضاً أنه يذهب إلى المفاوضات من موقع قوة فيما سبقت الإشارة إلى أنه لا يملك من القوة شيئاً، ويفتقر إلى دعم شعبه وقواه المقاومة.
• يفترض الرئيس خطاباً وصوتاً فقط أنه يملك قرار حصر السلاح، فيما الواقع يمنع عليه أيّ قدرة على الترجيح، حيث لا قوة فعلية يمكنها تنفيذ القرار، الذي يفتقد الدعم الشعبي، مثلما يفتقد الدعم الغربي الذي ينادي به ويتمسّك.
• أما الجيش اللبناني فقد فشل لغاية اليوم كمؤسسة رسمية جامعة في ممارسة دوره الوطني فعلياً، ولم يستطع حماية البلاد، وما يزال دوره يقتصر على الأمن الداخلي منافساً لقوى الأمن الداخلي.
• أما حديث الرئيس عن “انتحار وازدهار”، واستنساخه من جديد معادلة الفترة الحريرية “هونغ كونع/ هانوي” فمعادلة قائمة على الوهم أيضاً. وإذا كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد أمّن مستلزمات التنمية – وفق مفهومه – فإن جوزاف عون ونواف سلام لم يؤمنا شيئاً، ولم يقويا على تنفيذ ما التزما به وتعهدا به وأقسما عليه، منذ بداية ولايتهما.
• واللطيف في خطاب الرئيس افتراضه المسبق أنه يتحدّث باسم جموع الشعب، حيث أصرّ على استعمال ضمير المتكلم: “شعبي، وطني…” فيما الواقع والتاريخ يثبت أن انتخابه تحديداً لم يكن جامعاً، بل جاء مخالفاً للدستور، ونتيجة “تظبيطة” انتخابية على الطريقة اللبنانية، لا تُعبّر عن مشروع سياسي أو تنمويّ أو خلافه، بل نتيجة احتساب عملية حسابية، تضمنت أعداد النواب المقترعين، الذين لا يمثلون قواعدهم، خصوصاً أنهم جاؤوا بأصوات تفضيلية تعدّ بالمئات وبضعة آلاف…
لا شكّ في أن في الموضوع بعد نفسي، كمن يتصوّر نفسه بونابرت أو لينين أو الفوهرر أو مصطفى كمال… فيما الجمهور المؤيد في أغلبه من الطامحين والطامعين والمستشارين والأحزاب المتألّبة لغايات وإملاءات خارجية.
أما الحديث عن مشروع الدولة وغير الدولة، فالظن أن لا أحد من القوى يرغب في غير الدولة، ولو وصل الأمر بالمتطرفين إلى الدعوة إلى الفدرالية؛ والإشكالية تتركز على هوية الدولة، وأدوارها التي لا تقوم بها، من قبيل حماية الأرض. ولنا في جنوب لبنان في مواجهة الاحتلال، وفي البقاع خير مثال.
نصيحة للرئيس ألا يذهب إلى أي مكان، لأن المكان الوحيد الذي يمنحه الشرعية، ويعضده على سيادة الوطن، ويجعل له مكاناً تحت الشمس هو لبنان وشعبه العظيم المضحي المعطاء.
طارق قبلان
18 – 04 -2026
