خاص مركز بيروت للأخبار

لم تكن تصريحات واشنطن الأخيرة عن وجود “مفاوضات متقدمة” مع طهران مجرد كلام عابر، بل محاولة يائسة للعزف على لحن لم تعد الولايات المتحدة تملك نوتته. فالإيقاع الحقيقي الذي يضبط مشهد المنطقة اليوم لم يعد أمريكياً ولا إسرائيلياً حتى، بل إيرانياً خالصاً، تُديره طهران عبر قوة صاروخية متصاعدة قلبت الطاولة وفرضت نفسها كمايسترو يتقن العزف في شتى الظروف ومع مختلف الصنوف. كل ما تقوله واشنطن الآن يشبه فرقة موسيقية مرتبكة دخلت على المسرح بعد انتهاء العرض، محاولة اللحاق بمقامٍ لم تعد قادرة على عزفه.

في الأيام الأخيرة، أدهشت إيران العالم بقدرتها على رفع مستوى الضغط الصاروخي رغم تصريحات دونالد ترامب التي ادّعى فيها أنه “أنهى القدرات الجوية والبحرية الإيرانية بالكامل“، لكن ما جرى على الأرض كشف العكس تماماً، فإيران لم تُنهك، بل صعدت، وضربت، وردّت، وأظهرت مخزوناً من الصواريخ والدقة والقدرة لم يكن محسوباً في العقل السياسي والعسكري الأمريكي.

الأخطر من ذلك أن واشنطن و”إسرائيل” وحلفاءهما استهلكوا القسم الأكبر من الصواريخ الاعتراضية، ما جعلهم شبه مكشوفين أمام الضربات المتتالية، ودفع ترامب للانتقال من لغة القوة إلى لغة الهروب إلى الأمام.

نيويورك تايمز: "إسرائيل" تخشى نفاد صواريخها الاعتراضية
نيويورك تايمز: “إسرائيل” تخشى نفاد صواريخها الاعتراضية

تخبط ترامب تجلّى سريعاً، الرجل الذي تحدث بثقة عن تدمير قدرات إيران الجوية والبحرية، وجد نفسه فجأة يفكر بخيارات، بدءاً من استدعاء قوات كوماندوس من شرق آسيا وصولاً إلى الحديث عن إنزال واحتلال جزيرة خارك. هذه الأفكار المتوترة بدت كمحاولة لإخفاء ارتباك داخلي حقيقي، ومحاولة لصنع ضجيج يغطي عجز إدارته عن التعامل مع الرد الإيراني الذي فاجأه بحجمه وسرعته.

حتى في داخل البيت الأبيض، لا أحد يعرف إن كان ترامب يمثل دوراً مدروساً أم أنه فعلاً وقع في المستنقع الذي دفعه إليه نتنياهو حين باعه الوهم بأن الحرب لن تدوم أكثر من أربعة أيام وستنتهي بعودة “ابن الشاه” إلى الحكم.

في خضم هذه الفوضى، خرج ترامب بتصريحات تناقض ما يقوله الواقع، ادّعى أنه يتواصل مع الإيرانيين عبر قنوات سرية وأن هناك “خمسة عشر بنداً جاهزة للتفاوض”، وتحدث عن إمكانية إجراء مكالمة خلال ساعات مع مسؤولين إيرانيين، وذكر أسماء مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف كوسطاء يديرون الملف. حتى أنه ألمح إلى أن الصفقة المحتملة ستُهدّئ الشرق الأوسط وتخفض أسعار النفط بشكل كبير، ما يكشف أن هوسه ليس بالصراع، بل بالاقتصاد والانتخابات وصورته أمام الشارع الأمريكي.

الأخطر في تصريحاته لم يكن الحديث عن التفاوض، بل اعترافه بأن الولايات المتحدة كانت على وشك ضرب أكبر محطة كهربائية في إيران قبل أن تتراجع في اللحظة الأخيرة، هذا الاعتراف يكشف أن المسار الدبلوماسي الذي يتغنى به ترامب اليوم لم يكن خياراً أصلاً، بل بديلاً اضطرارياً بعد الفشل العسكري.

ومع كل هذه التسريبات، جاء الرد الإيراني سريعاً وواضحاً، الخارجية الإيرانية نفت وجود أي مفاوضات أو محادثات، مؤكدة أن كلام ترامب بلا أساس.

المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم رضائي
المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم رضائي

أما المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم رضائي فوصف تصريحات ترامب بأنها “كذب أو هراء”، مشيراً إلى أن الضربات المدمرة التي أوقعتها القوات المسلحة الإيرانية وارتفاع أسعار النفط جعلت “الشيطان الأكبر عاجزاً عن فرض أي شروط”.

هذا النفي ليس موقفاً بسيطاً، فإيران التي تواجه حرباً مركّبة لا تريد أن تظهر بموقع الضعيف الساعي للتفاوض بينما تُقصف أراضيها وترد بقوة. كما أنها لا تريد منح ترامب فرصة للظهور كصانع سلام يخطف انتصاراً سياسياً يوظفه داخلياً. ومع ذلك، فإن النفي الإيراني لا يلغي وجود رسائل نقلت فعلاً بين الطرفين عبر وسطاء إقليميين من تركيا إلى مصر وباكستان، وفق مصادر أمريكية. لكن طهران تتقن إدارة التوقيت وتعرف أن الكشف عن أي قناة الآن يُضعف أوراقها ويشوش على الإيقاع الذي فرضته.

في المقابل، عاشت “إسرائيل” حالة صدمة حقيقية، التقديرات الإسرائيلية أشارت إلى أنها كانت تعلم ببعض الاتصالات غير المباشرة، لكنها فوجئت بسرعة كلام ترامب وإعلانه العلني. هذا الارتباك يعكس تحولاً خطيراً، واشنطن بدأت تتحرك وفق إيقاعها الخاص، وربما بعيداً عن مزاج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي غدرها نتنياهو أكثر مما غدر إيران.

قراءة المشهد بعمق تكشف أن ترامب يستخدم تكتيك “التفاوض على الحافة”، يرفع نبرة الحرب تارة، ويتحدث عن ضربات ضخمة تارة أخرى، ثم يفتح نافذة مفاجئة للتهدئة، محاولاً فرض إيقاعه من موقع قوة افتراضية لا حقيقية.

لكن إيران تقابل هذا الأسلوب بعكسه تماماً، فهي لا ترفع السقف عبر الإعلام بل عبر الصواريخ، ولا تهوّل بالكلمات بل بالقدرة الميدانية، وهي تقول عملياً “إن كنت تريد التفاوض، فتعال من موقع احترام وليس من موقع تهديد”.

هنا يصبح السؤال الحقيقي: لماذا تتحدث واشنطن فجأة عن تفاوض؟ الجواب بسيط لكنه ثقيل: لأن الإيقاع تغيّر، والمسرح تبدل، والضغط الحقيقي صار إيرانياً.

ترامب يحاول الآن اللحاق بالسيمفونية التي تعزفها طهران، والتي نجحت خلال أيام في فرض مقام جديد تماماً على المنطقة، مقامٌ لا تُسمع فيه إلا نبرة الصواريخ وصوت الإرادة السياسية الصلبة.

ما يجري اليوم ليس مفاوضات فوق الطاولة، بل مفاوضات تُدار تحت النار، قد تذكر ترامب أو موظفيه بأيام فيتنام وتمر بهم في دهاليز “تورا بورا” في محاولة لايقاظهم من أحلام العظمة وإخبارهم بأن الإيقاع ليس في واشنطن… الإيقاع في طهران.

وما سيظهر في الأيام المقبلة قد يكون مجرد المقدمة لمقطوعة أكبر، حيث تُكتب السياسة بقدر ما تُكتب الموسيقى، ارتفاع في النبرة، تغيّر في المقام، وصوت واحد يعلو فوق الجميع… الصوت الإيراني.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com