خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم: حسان عليان. كاتب ومحلل سياسي
في لحظات الشدة التي تمرّ بها المنطقة، تتجلى العلاقات الحقيقية بين الشعوب قبل الحكومات، ويبرز العراق مرة أخرى في موقعه الطبيعي إلى جانب لبنان وشعبه. فليس جديداً على العراق، شعباً وقيادةً، أن يبادر إلى مدّ يد العون في أصعب الظروف. وقد شهد اللبنانيون خلال العدوان الأخير كيف فتح العراق أبوابه لعشرات الآلاف منهم، فاستقبلهم كما لو أنهم في وطنهم، لا ضيوفاً عابرين. وقد عبّر رئيس الوزراء العراقي بوضوح عن هذه الروح حين قال إن اللبنانيين في العراق هم في بيوتهم، وهو ما ترجمه العراقيون فعلياً في تعاملهم الإنساني والأخوي مع كل من قصد أرضهم طلباً للأمان.
كما أن المبادرات العراقية لم تقتصر على الاستضافة الإنسانية، بل امتدت إلى مواقف سياسية واقتصادية واضحة. ففي القمة العربية عام 2025 أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مبادرة بإنشاء صندوق لدعم غزة ولبنان، مع تخصيص عشرين مليون دولار كبداية لهذا الدعم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أبدى العراق استعداداً للتنازل عن مستحقات مالية كبيرة مترتبة للبنان مقابل المشتقات النفطية التي زوّده بها بأسعار تفضيلية، في خطوة تهدف إلى المساهمة في إعادة إعمار ما دمره العدوان الصهيوني.
هذه المواقف تعكس بعداً أعمق من مجرد التضامن السياسي، فهي تعبير عن رابط إنساني وأخلاقي وديني متجذر بين الشعبين. فالعراق، بتاريخ حضارته ومرجعيته الدينية وموقعه في وجدان الأمة، ظل دائماً حاضراً في دعم قضايا المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان.
كما أن دور المرجعية الدينية في النجف الأشرف بقي عاملاً أساسياً في ترسيخ هذا النهج، عبر مواقفها التي تعكس إدراكاً عميقاً لمعاناة شعوب المنطقة ولمخاطر المشاريع التي تستهدفها.
من هنا، فإن ما قدمه العراق للبنان في هذه المرحلة ليس استثناءً، بل امتداد لمسار طويل من الأخوّة والتكافل. وهو مسار يعكس حقيقة أن روابط الهوية والقيم المشتركة بين شعوب المنطقة تبقى أقوى من كل الأزمات. وفي زمن المواجهات الكبرى، تبقى هذه المواقف الأخوية رصيداً معنوياً وسياسياً يعزز صمود الشعوب ويؤكد أن التضامن الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال التي تُكتب في ذاكرة التاريخ.
