خاص مركز بيروت للأخبار- وكالات الشرق الأوسط
إعداد: MZA
في وقت تتصاعد فيه الهجمات المباغتة لتنظيم داعش في شرق سورية، تبرز تساؤلات كبرى حول الفراغ الأمني الذي خلّفه الانسحاب الأمريكي المتدرّج وتراجع فاعلية التحالف الدولي. ومع انهيار منظومات الحماية في مخيمات احتجاز عائلات التنظيم، يبدو المشهد أقرب إلى إعادة إنتاج مراحل ما قبل 2014، حين تمدّد التنظيم مستغلاً الفوضى والفراغ السياسي والعسكري.
تشهد المنطقة الشرقية في سورية تصاعداً لافتاً في نشاط تنظيم داعش، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات تمدده قبل عقد من الزمن.
ورغم التراجع الكبير الذي أصاب قدراته خلال السنوات الماضية، فإن التنظيم عاد ليستفيد من لحظة سياسية وأمنية حساسة، تتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من مناطق واسعة، وتراجع ملموس للدور الذي لعبته التحالف الدولي في ملاحقة خلاياه. هذا الفراغ أعاد تشكيل بيئة رخوة أتاحت لعناصر التنظيم التحرك مجدداً، واستئناف هجمات مباغتة في البادية ومحيط المدن الاستراتيجية في الرقة ودير الزور.
الهجمات الأخيرة اكتسبت بعداً خطيراً لأنها جاءت على شكل عمليات مباغتة تنفذها خلايا صغيرة تعتمد أسلوب “التحرك المنفرد” ضمن مناطق صحراوية مفتوحة، ما يمنح التنظيم قدرة على المناورة بعيداً عن الرقابة العسكرية.
وقد سقط خلال الأيام الماضية عدد من عناصر الأمن والجيش السوري في هجمات متفرقة، بينما أعلنت السلطات تفكيك خلايا مرتبطة بالهجوم على حاجز أمني غرب الرقة، والقبض على أفراد متورطين في استهداف مواقع عسكرية قرب الميادين. إلا أن ما جرى لم يكن مجرد عملية أمنية عابرة، بل إشارة واضحة إلى أن التنظيم يعيد بناء شبكاته، وأن البيئة الأمنية المحيطة به لم تعد قادرة على ضبط تحركاته كما في السنوات السابقة.
وفي الوقت ذاته، برزت قضية مخيم الهول بوصفها الشرارة الأكثر خطورة في المشهد، إذ أدى الانسحاب المفاجئ لقوات “قسد” منه إلى حالة فوضى غير مسبوقة.
فخلال ساعات قليلة، اختفت آلاف العائلات التي كانت تُعد الأخطر ضمن حواضن التنظيم، وبينهم أجانب من عشرات الجنسيات، ما فتح الباب أمام عمليات تهريب واسعة وتسلل غير منظم باتجاه مناطق نفوذ مختلفة.
وقد رصدت تقارير ميدانية، وصول عائلات وأطفال من المخيم إلى مناطق إدلب وشمال غرب سورية، في وقت حذرت منظمات حقوقية من مخاطر التجنيد والاستغلال والاتجار التي يفتحها هذا الانهيار الأمني.
هذا المشهد تزامن مع خفوت الدور الأمريكي في إدارة الملف الأمني في شمال وشرق سورية. فالتقليص الواضح لوجود القوات الأمريكية حدّ من القدرات الرقابية التي كانت تشكل ثقلاً في كشف تحركات التنظيم وملاحقة قادته. ومع تراجع الدعم اللوجستي والاستخباري، بدت قوات الأمن المحلية أكثر عرضة للضغط، فيما بدا التحالف الدولي غير قادر على استعادة مستوى العمليات الذي ميّز سنوات الحرب المفتوحة ضد التنظيم. وهكذا، وجد داعش نفسه أمام فرصة، لم يصنعها وحده، بل أنتجتها السيولة الأمنية وتداخل النفوذ والخلافات بين الأطراف الفاعلة.

وتشكل الصراعات بين دمشق و “قسد” عنصراً إضافياً في خلق فجوات أمنية يستفيد منها التنظيم. وبينما تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية عن انهيار الوضع في مخيم الهول، كان الواقع يشير إلى أن الفراغ السياسي والإداري المتنامي في تلك المناطق منح التنظيم قدرة على التحرك ضمن مساحة غير محكومة بالكامل لأي جهة.
ومع وصول القوات الحكومية إلى المخيم بعد ست ساعات من الانسحاب، كانت الفوضى قد بلغت ذروتها، وخرج آلاف الأشخاص من دائرة الرقابة، الأمر الذي يهدد بإعادة بناء شبكات دعم بشرية كان السوريون وحلفاؤهم قد دفعوا ثمناً باهظاً لتفكيكها.
وفي موازاة هذه التطورات، برز عامل بالغ الحساسية يتعلق بطبيعة التداخل الايديولوجي داخل بعض البيئات المحسوبة على حكومة دمشق، حيث كشفت مصادر ميدانية وحقوقية عن وجود عناصر محلية تنتمي إلى عائلات لها ارتباطات قديمة بأفراد كانوا محتجزين في مخيم الهول، قبل أن يُفتح المخيم على الفوضى عقب انسحاب “قسد” وتراجع الدور الأمريكي.
هذا الارتباط لم يكن مجرد صلة قرابة، بل تحوّل إلى حالة تماهٍ أيديولوجي مع الفكر القاعدي الذي يجمع بين داعش وهيئات متطرفة أخرى.
وقد أتاح انهيار منظومة المخيم لعدد من تلك العائلات استعادة أبنائها وإعادة دمجهم في المناطق الخاضعة لسلطة دمشق، الأمر الذي فتح الباب أمام تغلغل خلايا التنظيم داخل النسيج المجتمعي بصورة أكثر هدوءاً وأقل صداماً، مستفيدة من الغطاء المحلي الذي وفرته هذه الروابط، ومن غياب الرقابة الفعلية بعد انسحاب الأمريكيين.
وتتقاطع هذه المعطيات مع مشاهد موثقة خلال الهجمات الإرهابية التي نفذتها جماعات تابعة لحكومة الشرع بهجماتها الدموية على العلويين في الساحل والدروز في السويداء والأكراد مؤخراً في حلب وريفها، حيث ظهر مقاتلون يرتدون بدلات رسمية تابعة لجهات عسكرية مرتبطة بما يسمى وزارة الداخلية والدفاع وهم يضعون رايات داعش وشعاراته على أذرعهم من دون تردد أو محاولة إخفاء.
هذا الظهور العلني لم يكن مجرد سلوك فردي، بل مؤشر على درجة من التلاقي الفكري والتنظيمي بين مجموعات يفترض أنها متباعدة، لكنه يعكس واقعاً معقداً تتقاطع فيه المصالح والأيديولوجيات ضمن فضاء هش يفتقر إلى سلطة مركزية ضابطة.
وما زاد من خطورة هذه الظاهرة أن بعضها ظهر في مناطق يفترض أنها آمنة أو بعيدة عن خطوط الاشتباك، ما يعزز فرضية أن التنظيم بات يعمل اليوم ضمن بيئة اجتماعية أوسع مما كان عليه سابقاً، وبغطاء سياسي وأمني غير مباشر ساهمت في نشوئه حالة الفوضى التي خلّفها الانسحاب الأميركي وتراجع التحالف الدولي.
اليوم، تبدو عودة داعش امتداداً طبيعياً لبيئة انفلتت فيها السيطرة، وانسحبت منها القوة الدولية التي شُكلت أصلاً لكبح التمدد الداعشي. وبين فراغ أمريكي، وتراجع في فاعلية التحالف، وعجز واضح لدى الجهات المحلية عن ضبط الحدود المفتوحة بين النفوذ المختلف، يتقدم التنظيم نحو مساحة رمادية تتيح له إعادة التشكل.
هذا التقدم، وإن بدا محدوداً الآن، يحمل في طياته ملامح مرحلة قد تعيد إنتاج سيناريوهات ماضية، ما لم تتفق القوى الفاعلة على استراتيجية واضحة تمنع تحوّل الهجمات المتفرقة إلى حالة منظمة تهدد الاستقرار الهش في المنطقة الشرقية من سورية.
