يتصاعد في الآونة الأخيرة الحديث عن احتمال دخول الحكومة السورية إلى مناطق لبنانية متاخمة للحدود تحت عنوان «ضبط الحدود»، وما قد يستتبع ذلك من انزلاق إلى مواجهة مع حزب الله. وتستند هذه السرديات إلى جملة عوامل: توسّع نفوذ السلطة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع شرقاً، تراجع خصومها المحليين، واستمرار الدعم السياسي من إدارة دونالد ترامب في سياق صراع أوسع مع إيران. غير أن تفكيك هذا السيناريو يكشف شبكة معقدة من القيود العسكرية والسياسية تجعل احتماله محدوداً، وإن لم تجعله مستحيلاً.

ذاكرة ثقيلة وحسابات دقيقة

أي سلطة في دمشق تدرك أن الساحة اللبنانية ليست امتداداً جغرافياً فحسب، بل مساحة سياسية حساسة تحمل إرث الوجود السوري بين عامي 1976 و2005، والذي انتهى بانسحاب تحت ضغط دولي واسع عقب اغتيال رفيق الحريري. هذا الإرث يجعل أي عودة عسكرية مباشرة إلى الداخل اللبناني خطوة مرتفعة الكلفة داخلياً وخارجياً، وتستحضر سريعاً حساسيات لبنانية وإقليمية ودولية.

في الوقت نفسه، لا تبدو هناك مصلحة استراتيجية واضحة لدمشق في فتح مواجهة مع حزب الله، إذ إن العلاقة بين الطرفين تاريخياً أقرب إلى التنسيق ضمن محور إقليمي تقوده إيران. وأي صدام مباشر قد يخلخل توازنات لبنانية دقيقة، ويفتح الباب أمام احتكاك سوري–لبناني واسع يصعب ضبطه.

القدرة العسكرية: فجوة بين التصورات والواقع

رغم ما يُقال عن توسّع نفوذ دمشق في بعض المناطق السورية، فإن قدراتها العسكرية الفعلية لا توحي بإمكانية خوض حرب تقليدية واسعة خارج حدودها. القوات الحالية تعاني نقصاً في العتاد الثقيل وسلاح الجو والجاهزية اللوجستية، فضلاً عن محدودية التدريب مقارنة بالجيوش النظامية.

في المقابل، عزز الجيش اللبناني انتشاره على الحدود الشرقية خلال السنوات الماضية، بدعم مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا، مع بناء منظومة أبراج مراقبة وأفواج حدود برية نشأت في ظروف تهديد مرتفع. وبالتالي، فإن أي تحرك سوري واسع سيصطدم بقوة دفاعية نظامية متمرسة في هذا النوع من الجغرافيا والقتال الدفاعي.

إسرائيل: إدارة الصراع لا تفويضه

من الزاوية الإسرائيلية، يبقى الهدف تقليص القدرات الصاروخية لحزب الله ومنع ترسيخ بنى عسكرية متقدمة، لا سيما في البقاع ومحيطه. لكن تل أبيب تميل تقليدياً إلى إدارة هذا الملف عبر الضربات المحدودة والعمل الاستخباراتي والضغط الدولي، بدلاً من تفويض دمشق بخوض حرب برية معقدة النتائج. تفوقها الميداني والاستخباراتي في مناطق مثل جبل الشيخ ضمن الجولان المحتل يعزز قدرتها على الردع، لكنه لا يعني تلقائياً منح غطاء لتحرك سوري واسع داخل لبنان.

واشنطن وطهران: ميزان الاحتواء والتصعيد

الولايات المتحدة، رغم اهتمامها بأمن الحدود ومنع نقل أسلحة نوعية، لا تبدو معنية بفتح جبهة جديدة غير محسوبة. دفع دمشق إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله قد يخلق فراغاً أمنياً أوسع ويقوّض سياسة الاحتواء التي تعتمدها واشنطن عادة في إدارة التوترات.

أما العامل الإيراني فيبقى حاسماً: أي تصعيد أو تهدئة بين طهران وواشنطن ينعكس مباشرة على الساحتين السورية واللبنانية. التفاهمات تخفف احتمالات الانفجار، فيما يرفع التصعيد منسوب استخدام الساحات كورقة ضغط، غالباً عبر أدوات غير مباشرة لا من خلال دخول رسمي لقوات دولة إلى أراضي دولة أخرى.

تحديات الداخل السوري

إلى جانب الحسابات الإقليمية، تواجه دمشق تحديات داخلية ثقيلة: تهديدات أمنية متفرقة، خطر عودة تنظيمات متشددة، وأزمة اقتصادية خانقة تضغط اجتماعياً وسياسياً. في ظل هذه الظروف، تبدو أولوية تثبيت الداخل أكثر إلحاحاً من المغامرة بفتح جبهة خارجية عالية المخاطر.

سيناريو دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية تحت عنوان أمني يبقى نظرياً ممكناً في حال انهيار أمني كبير أو تفاهم دولي استثنائي يعيد رسم قواعد اللعبة. لكنه عملياً ضعيف الاحتمال نظراً لكلفته السياسية، وافتقاره إلى غطاء دولي واضح، وخطر انزلاقه إلى مواجهة إقليمية أوسع.

الأرجح أن تبقى المعادلة محكومة بضبط حدود محدود، وضغوط أمنية واستخباراتية متبادلة، وربما تفاهمات غير معلنة، أكثر مما هي ذاهبة نحو اجتياح أو اشتباك سوري مباشر داخل لبنان — ما لم يطرأ تحول جذري على ميزان القوى أو مسار التفاهمات الكبرى في الإقليم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com