خاص مركز بيروت للأخبار

بقلم: مبارك بيضون

في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار مجدداً إلى سورية بوصفها ساحة اختبار لتحولات أعمق في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، فالحديث المتزايد عن تقليص أو إعادة تموضع القوات الأمريكية في سورية لا يبدو معزولاً عن سياق إقليمي أوسع، بل يعكس تحولاً تدريجياً في طريقة إدارة واشنطن لانخراطها العسكري في المنطقة.

على مدى العقدين الماضيين، شكّل الانتشار البري المباشر أحد أعمدة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت ميلاً متزايداً داخل مؤسسات صنع القرار في واشنطن نحو تقليص هذا النموذج، لصالح مقاربة تعتمد على الردع غير المباشر، والقوة الجوية والبحرية، والشراكات المحلية. وفي هذا الإطار، تبدو سورية اليوم كحقل اختبار عملي لهذه الاستراتيجية الجديدة.

من مكافحة الإرهاب إلى منافسة القوى

هنا لا ننسى أنه عندما دخلت القوات الأمريكية إلى شرق سورية، كان هدفها المعلن محصوراً بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومنع عودته للظهور. إلا أن البيئة الاستراتيجية التي وُلد فيها هذا الانتشار تغيّرت جذرياً، فالتحدي الذي بات يشغل دوائر الأمن القومي الأمريكي لم يعد يقتصر على التنظيمات غير الحكومية، بل يمتد إلى منافسة القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، وإدارة التوتر المتصاعد مع إيران.

هذا التحول انعكس في تصريحات متكررة لمسؤولين أمريكيين أشاروا إلى ضرورة “مواءمة الانتشار العسكري مع الأولويات الاستراتيجية الجديدة”. وفي هذا السياق، تصبح أي مراجعة للوجود العسكري في سورية جزءاً من نقاش أوسع داخل واشنطن حول كيفية توزيع الموارد العسكرية عالمياً، وليس مجرد قرار مرتبط بالساحة السورية وحدها.

حسابات المخاطر المحدودة

ثمة عامل آخر يدفع نحو إعادة التموضع يتمثل في تزايد المخاطر التشغيلية مقابل محدودية العائد السياسي. فالقواعد الأمريكية في سورية والعراق تعرضت خلال السنوات الماضية لسلسلة هجمات من فصائل مرتبطة بإيران، ما أعاد طرح سؤال قديم داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، ما هو الهدف النهائي من بقاء قوات محدودة في بيئة عالية المخاطر ومنخفضة الحسم؟

في هذا السياق، يرى بعض المخططين العسكريين أن تقليص البصمة البرية قد يحقق توازناً أفضل بين الردع وتقليل المخاطر، خصوصاً إذا ترافق مع تعزيز أدوات ردع أخرى، مثل الانتشار البحري، والقدرات الجوية بعيدة المدى، والدفاعات الصاروخية الإقليمية.

سورية.. بطاقة اللعب الجديدة

مع ذلك، يصعب قراءة أي تحرك أمريكي في سورية بمعزل عن التوازنات الإقليمية، ولا سيما العلاقة المعقدة مع إيران. فبالنسبة لطهران، يشكل الوجود الأمريكي شرق الفرات رمزاً سياسياً بقدر ما هو عامل عسكري. أما بالنسبة لواشنطن، فتمثل سورية إحدى ساحات الاحتكاك غير المباشر التي يمكن من خلالها إدارة التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

من هذا المنظور، قد يكون تقليص الانتشار البري محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك، عبر تقليل نقاط الاحتكاك المباشر، دون التخلي عن القدرة على التأثير في المعادلات الإقليمية. بمعنى آخر، قد تسعى واشنطن إلى خفض مستوى التعرض، لا مستوى النفوذ.

الردع عبر إعادة التوزيع

وهنا يبدو أن أحد أهم المفاهيم لإدراك ماهية هذا التحول هو الانتقال من “التمركز” إلى “الانتشار المرن”، فبدلاً من الاعتماد على قواعد برية ثابتة، تتجه الاستراتيجية الأمريكية إلى بناء شبكات ردع متعددة الطبقات تتألف من، قواعد لوجستية خفيفة، تمركز بحري متقدم، وقدرات جوية قابلة للنقل السريع.

هذا النموذج يمنح صناع القرار مرونة أكبر في إدارة الأزمات، ناهيك عن أهم عامل وهو تخفيف الأعباء المالية والبشرية، إذ يسمح بالحفاظ على القدرة على التدخل دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية للوجود طويل الأمد. كما ينسجم مع توجه أوسع داخل البنتاغون نحو تقليل الانخراط في النزاعات الرمادية الممتدة.

رسائل إلى طهران وحلفاء واشنطن

وبالتالي يتضح أن أي إعادة للتموضع الأمريكي يحمل بالضرورة رسائل مزدوجة، فمن جهة، قد تُقرأ في طهران كإشارة إلى تراجع الالتزام الأمريكي، ما قد يشجع على اختبار حدود الردع. ومن جهة أخرى، قد تُقدَّم من قبل واشنطن كخطوة تكتيكية ضمن إعادة توزيع القوة، لا كتخلٍّ عن المنطقة.

التحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذا الغموض. فالانسحاب غير المحسوب قد يضعف الردع، بينما الانسحاب المدروس قد يعيد تشكيله بطريقة أكثر استدامة. ولهذا السبب، تميل الإدارات الأمريكية عادة إلى تغليف قرارات إعادة التموضع بخطاب يؤكد استمرار الالتزام الأمني الإقليمي، حتى مع تقليص الوجود المباشر.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن واشنطن تسعى إلى تحقيق توازن دقيق، ترمي من خلاله أيضاً إلى خفض احتمالات الانجرار إلى صراع إقليمي واسع، دون التخلي عن أدوات الضغط والردع. هذا النوع من الاستراتيجيات لا يهدف إلى حسم الصراعات بقدر ما يسعى إلى إدارتها، عبر منع الانفجارات الكبرى والحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي.

لكن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر. فكلما تقلصت نقاط الاحتكاك المباشر، زادت احتمالات سوء التقدير، خصوصاً في بيئة إقليمية تتسم بكثافة الفاعلين وتعدد مسارح التصعيد.

لحظة انتقالية للمنطقة

وربما يكون من الأصح توصيف اللحظة الراهنة بأنها مرحلة انتقالية في دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالانسحاب الكامل لا يزال مستبعداً، لكن نموذج الهيمنة العسكرية المباشرة يبدو في تراجع. وبين هذين الحدين، تحاول واشنطن صياغة نموذج ثالث، حضور أخف على الأرض، وأثقل في ميزان الردع.

لكن ورغم كل ذلك، تبقى تساؤلات عدة حول ما إذا كان هذا النموذج سيحقق الاستقرار أو يفتح الباب أمام اختلالات جديدة، أمر قد يعتمد إلى حد كبير على كيفية تفاعل بقية الفاعلين الإقليميين معه، وعلى قدرة الولايات المتحدة على إدارة التوازن بين تقليص الانخراط والحفاظ على النفوذ.

في النهاية، لا تختبر سورية فقط حدود النفوذ الأمريكي، بل تختبر أيضاً قابلية الشرق الأوسط للدخول في مرحلة ما بعد الحروب الكبرى، إذ لا صراعات تنتهي تماماً بل يعاد تعريفها بأدوات أقل مباشرة وأكثر تعقيداً.

 

 

شاركنا رأيك:

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com