بقلم: م. مصطفى زين العابدين
في يناير/كانون الثاني 2025، عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بولاية جديدة حاملاً معه رؤية تتعلق بـ “إشكالية المعنى والسلطة”. وعد الرجل بإنهاء الصراعات الكبرى في العالم، لكن سرعان ما أصبحت سياسته الخارجية أكثر توتراً وتعقيداً مما توقعه العالم. فبينما أعلن ترامب في مناسبات عدة أنه عازم على إحلال “السلام في كل مكان على الأرض” في بداية العام الجديد، جاءت سياساته الواقعية لتفتعل أو تشارك في ما لا يقل عن ست صراعات أو أزمات استراتيجية رئيسية على مدى عامه الأول في السلطة: من تدخلات في أمريكا اللاتينية إلى توترات مع حلفاء وأعداء في الشرق الأوسط، مروراً بالحرب الروسية – الأوكرانية وملفات إضافية كثيرة وأكثر جدلية.
هذه الازدواجية – بين الخطاب القيمي الذي يعد بإنهاء النزاعات وبين واقع سياسات أدت إلى اتساع وتوسع الصراعات – هي بالأساس “لبُّ العقل الاستراتيجي الترامبي”. الرجل لا يرى العالم عبر خريطة مصالح ثابتة، ولا من خلال مؤسسات دولية رصينة، بل عبر لحظات قوة تدار كصفقات تجارية، كمفاوضات عقارية عالمية. وهذا لا يغيّر النتائج فحسب، بل يقدّم نمطاً جديداً في إدارة القوة الإنتاجية للولايات المتحدة الأمريكية، مدفوعاً بمنطق القوة – الصفقة – الرمزية.
عام بين الأفعال والأقوال
في مطلع 2025، بدأ ترامب ولايته الثانية بخطابات خارجية حملت وعوداً قوية بإنهاء النزاعات القديمة، لكن الواقع سرعان ما كشف أن الإدارة كانت تعمل على إعادة ضبط السياسة الخارجية الأمريكية عبر تصعيدات متعددة ومتوازية. ففي 22 يناير/كانون الثاني 2025، أصدر ترامب مرسوماً لتصنيف “الحوثيين” في اليمن كـ”منظمة إرهابية”، ما دفع إلى اشتباكات عسكرية في اليمن.
خلال مارس وحتى مايو/أيار 2025 قادت الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد “الحوثيين” في اليمن في إطار ما اعتُبر “ضغطاً إستراتيجياً” لإيقاف هجمات اليمنيين على السفن التجارية في البحر الأحمر (السفن التي استهدفت كانت تنقل أسلحة ودعم لوجستي لإسرائيل لتوسيع مجازرها ضد الفلسطينيين في غزة)، قبل أن تتوصل أطراف الوساطة إلى هدنة بوساطة سلطنة عمان في 6 مايو/أيار 2025.
في أبريل/نيسان كانت واشنطن وطهران قد دخلتا في مفاوضات نووية برعاية عُمانية، سعى ترامب من خلالها إلى وقف التوتر النووي الإيراني، لكن أثناء المفاوضات تعرضت إيران إلى هجمات جوية إسرائيلية انتهت بضربات أمريكية على مواقع نووية إيرانية دون سابق إنذار، لتؤدي هذه الأفعال إلى رد عسكري إيراني على الكيان الصهيوني وقواعد أمريكية في قطر بعدما استهدفت منشآتها النووية، وهو ما أوقد شرارة أزمات جديدة في المنطقة.
في أغسطس/آب 2025 أُطلق ترامب حملة عسكرية أمريكية كبيرة ضد “الكارتلات” في أمريكا اللاتينية، شملت نشر أكثر من 4500 عنصر من البحرية الأمريكية قرب سواحل الكاريبي، مع ربط واضح بالضغط على حكومة فنزويلا وموقعها الاستراتيجي واحتياطاتها النفطية الهائلة.
في مطلع 2026 استيقظ العالم على عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا أدّت إلى الإعتداء على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو من فراشه ونقله إلى نيويورك (هذه سابقة دولية خطيرة)، ما أثار انتقادات دولية واسعة من الصين وروسيا وحتى كوريا الشمالية باعتبار ذلك “تجاوزاً” للسيادة الوطنية.
ثم جاءت تصريحات ترامب المتكررة حول غرينلاند، التابعة للدنمارك وأعضاء في الناتو، قائلاً إن “الولايات المتّحدة تحتاجها للأمن القومي”، وهو تهديد أثار اعتراضاً دبلوماسياً شديداً من كوبنهاغن ووصفه البعض بأنه خطر على سيادة الحلفاء التقليديين.
وأمام هذه السلسلة، بدا “الخطاب الترامبي” في 2025–2026 أكثر تشدداً واعتماداً على القوة الإستراتيجية بدل القيادة الأخلاقية، رغم وعوده بإنهاء النزاعات.
النبوءات العقائدية والعلاقة بالكنيسة الأنجلوصهيونية
لطالما أثار ترامب – من خلال خطاباته وتصريحاته وأسلوب تواصله – تقاطعات مع سرديات دينية وهيكلية عقائدية غربية – إنجيلية ترى أن الولايات المتحدة لا تقف فقط كقوة مادية، بل كـ “أداة لإرادة أعلى”.
في مناسبات علنية وخاصة، تعهد ترامب بـ”السلام على الأرض” في العام الجديد، وهي عبارة “ترتبط رمزياً بخطابات دينية إنجيلية عن القرن الأمريكي الموعود”.
في الوقت نفسه، كرّر نتنياهو – حليف ترامب الأقوى على الساحة الإقليمية – في عدد من المناسبات الرسمية والإيديولوجية فكرة أن “إسرائيل جزء من خارطة إلهية لقيادة الشرعية الأخلاقية في الشرق الأوسط”. تلك التصريحات تُقرأ في سياق الديانة السائدة داخل التيارات الإنجيليّة البروتستانتية الأمريكية، التي تؤمن بـ”رسالة أخلاقية” للقوة، وهو ما يُمثّل نقطة تقاطع ضمن التحالف الاستراتيجي بين ترامب ونتنياهو.
لكن هنا يظهر التناقض الجوهري:
إذا كانت المهمة “إلهية” لتطهير العالم من الشر – حسب الخطاب المتكرر في مناسبات مختلفة- فكيف يتحقق ذلك من خلال الضغط العسكري، الانتهاكات السيادية، وافتعال صراعات متعدّدة؟ هذا هو جوهر “الازدواجية الترامبية”، حيث تُقدّم القوة على أنها وسيلة للتطهير الأخلاقي، لكنها كثيراً ما تنتج مزيداً من الشرّ المرافق.
المفكر نعوم تشومسكي كان قد وصف مثل هذا الخطاب بأنه “إخراج القوة من سياقها الأخلاقي وتحويلها إلى أداة للتبرير العقائدي”، وهو نقد يرى أن ربط القوة بالتصريحات الدينية يعمّق التناقضات ويضع السياسة العالمية في دائرة منطقية مضطربة ومربكة.
ازدواجية ترامب: من “إنهاء النزاعات” إلى إعادة إشعالها
خطاب ترامب في أول أيام 2025 كان واضحاً:
“هدفنا الرئيس هو إنهاء الصراعات التي استنزفت أمريكا وحلفاءها، إلا أنه سرعان ما تحوّل هذا الخطاب إلى منهج جديد في استخدام القوة وإعادة تعريف السلام من منظور قوة – ضغط – تفاوض.
المحلل السياسي في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي “ستيفن ويرثايم”، أشار إلى أن سياسات ترامب الخارجية في تلك المرحلة تميل إلى تفكيك النظام الدولي الراسخ منذ الحرب الباردة، ليس لإنشاء بديل مستقر، بل لإعادة تموضع الولايات المتحدة في موقع القوة المطلقة.
وهنا تظهر الازدواجيات بوضوح في:
• التهدئة مقابل التصعيد: إعلان هدنة مع “الحوثيين” ثم استمرار التوتر مع إيران وحلفائها.
• السلام مقابل الهيمنة: اقتراح إعادة ترتيب أوضاع غزة وإدارتها يدوياً، ما يُقرأ كخطوة ليس نحو التسوية بل نحو السيطرة.
• التوسع الأمريكي مقابل مصالح الحلفاء التقليديين: تصريحات حول غرينلاند وضمها بدعوى الأمن القومي.
كل هذه المعطيات تُظهر منطقاً مفاده أن” ترامب لا يسعى فقط لحل النزاعات، بل لإعادة صياغة مواضع القوة العالمية عبر القوة نفسها”.
ترامب وإيران: من التفاوض إلى التهديد
علاقات الولايات المتحدة مع إيران في 2025 شهدت تحوّلات عدة، بدأت مفاوضات في أبريل/ يونيو 2025 تحت إشراف عماني لتعزيز اتفاق نووي جديد، لكن انتهاء المهلة بدون اتفاق وعودة التصعيد العسكري والإسرائيلي ضد طهران جعل العلاقة أكثر هشاشة ونسف مصداقية الولايات المتحدة كطرف مفاوض جدير بالثقة.
هذا التوتر ليس جديداً، لكنه يوضح ازدواجية الأهداف: من جهة التفاوض، ومن جهة أخرى الاحتفاظ بخيار الضغط العسكري والاقتصادي المكثف كوسيلة للاستجابة.
أثر هذه الاستراتيجية على النظام الدولي
مما لا شك فيه، أن هذه الاستراتيجية تركت عوامل عدة على النظام الدولي لعل أبرزهما:
– إعادة تموضع القوة الأمريكية: عبر عمليات مباشرة أو عبر وسطاء لحلفاء مثل “إسرائيل”.
– إضعاف المنظومات الدولية التقليدية: مثل الأمم المتحدة وحلف الناتو، واستبدالها بـ”علاقات ثنائية قائمة على القوة والصفقات”.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشراكة روسية – أمريكية غير مستقرة في ملف أوكرانيا، وخصوم دوليون آخرون يصرّحون بأن الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب “قوة غير متوقعة لا تحكم بسياسات ثابتة”، حتى في الملفات الحسّاسة.
ترامب والقرن الأمريكي المزدوج
وهنا، يجب أن ندرك أن ترامب لا يقود “سلاماً عالمياً” بالمعنى التقليدي الذي نفهمه نحن. بل إنه يقود إعادة ترتيب القوة العالمية بأسلوب يعيد “خلط الشرعية الأخلاقية مع القوة المادية والضغط الاستراتيجي”. وهو أسلوب يأتي بمميزات وقدرات، لكنه أيضاً يعيد طرح سؤال كارثي: “هل يمكن للقوة أن تقود إلى السلام، أم أنها تُولّد شروراً جديدة تُسمّى نزاعات؟”.
ولعل الدرس الأهم في “الحقبة الترامبية”، ليس فقط في الصراعات المفتعلة، بل في التناقضات العميقة بين ما يُعلن وما يُمارَس:
خطاب سلام يقوده إلى الحرب، ووعود بالسلام تقوده إلى توترات جديدة.
هكذا، تبدو السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب تحقيقاً لعبارات ذات وجوه متعددة -وجه القوة ووجه الإيديولوجيا- في لعبة معقدة لا يعدم فيها الزعامة الأمريكية حضوراً، لكنه يغير نمطُها بعمق وفق ما يقتضيه السوق.
