في وقت يظن فيه كثيرون أن القمر جرم سماوي جامد لا يتغيّر، تكشف الدراسات العلمية الحديثة عكس ذلك تمامًا. فالقمر، جار الأرض الأقرب، لا يزال يشهد تحولات جيولوجية بطيئة ولكن مستمرة، تتمثل في انكماشه التدريجي وتشكل شبكة متزايدة من التشققات على سطحه. هذا التطور العلمي لا يغيّر فقط فهمنا لطبيعة القمر، بل يطرح تساؤلات جدية حول سلامة المهمات البشرية المرتقبة إليه خلال السنوات المقبلة.

القمر ينكمش بصمت.. 1114 تشقّقًا جديدًا يهدد خطط العودة البشرية في أرتيميس 3
القمر (آيستوك)

اكتشاف 1114 تشقّقًا جديدًا يعيد رسم الخريطة الجيولوجية

كشف علماء من مركز دراسات الأرض والكواكب التابع لـالمتحف الوطني للطيران والفضاء عن اكتشاف أكثر من ألف تشقّق جديد على سطح القمر، وتحديدًا 1,114 حافة صغيرة لم تكن معروفة سابقًا. وبذلك يرتفع إجمالي عدد التشكّلات الجيولوجية المرتبطة بانكماش القمر إلى 2,634.

هذه الأرقام تعكس اتساع نطاق الظاهرة، وتشير إلى أن النشاط التكتوني القمري لم يكن محدودًا بمناطق معينة كما كان يُعتقد، بل يمتد عبر مساحات واسعة من السطح. ويُقدَّر متوسط عمر هذه الحواف بنحو 124 مليون عام، بينما تعود بعض المنحدرات الفصّية إلى حوالي 105 ملايين عام، ما يجعلها من أحدث المعالم الجيولوجية على سطح القمر مقارنة بعمره الذي يزيد عن 4.5 مليارات سنة.

إقرأ أيضاً… مهمة “أرتيميس 2”.. رحلة مأهولة إلى القمر بعد نصف قرن

كيف ولماذا ينكمش القمر؟

يؤكد العلماء أن السبب الرئيسي وراء هذه التشققات هو التبريد التدريجي لباطن القمر. فعلى عكس الأرض، التي لا تزال نشطة حراريًا بفضل نواتها المنصهرة وحركتها التكتونية، يفقد القمر حرارته الداخلية منذ مليارات السنين. ومع استمرار هذا التبريد، يتقلّص حجمه ببطء، ما يؤدي إلى انكماش القشرة الخارجية.

عندما تتعرض القشرة لضغط ناتج عن هذا التقلّص، تتكوّن صدوع جيولوجية تتراكم فيها الكتل الصخرية فوق بعضها البعض، فتظهر على السطح حواف مرتفعة تُعرف باسم “المنحدرات الفصّية”. هذه المنحدرات كانت أول دليل واضح على أن القمر لا يزال يتغير جيولوجيًا حتى في العصر الحديث نسبيًا.

البحار القمرية تدخل المشهد

الجديد في الدراسة الحالية هو رصد تشققات مماثلة داخل “البحار القمرية”، وهي السهول الداكنة الواسعة التي تشكّلت نتيجة تدفقات بركانية قديمة ملأت أحواضًا ضخمة على سطح القمر. وأطلق الباحثون على هذه التشكّلات اسم “الحواف الصغيرة في البحار” (SMRs).

هذا الاكتشاف يوسّع نطاق الفهم العلمي، إذ يثبت أن الانكماش لم يقتصر على المرتفعات القمرية، بل شمل أيضًا المناطق المنخفضة التي كانت تُعتبر أكثر استقرارًا. ويدل ذلك على أن القمر أكثر ديناميكية مما كان يُعتقد، وأن تاريخه الحراري لا يزال يترك بصماته على تضاريسه.

هل يشهد القمر زلازل فعلية؟

تشير الأدلة إلى احتمال وقوع ما يُعرف بـ”الزلازل القمرية” نتيجة هذا الانكماش المستمر. ورغم أن القمر لا يملك صفائح تكتونية نشطة مثل الأرض، فإن الضغوط المتراكمة في قشرته قد تؤدي إلى هزات أرضية ضحلة.

وتكمن الخطورة في أن بعض هذه الزلازل قد تستمر لفترات أطول من الزلازل الأرضية بسبب طبيعة التربة القمرية الجافة وغياب الماء الذي يساهم في امتصاص الطاقة. كما أن غياب الغلاف الجوي يجعل أي اهتزازات تنتقل بشكل مختلف، ما قد يؤثر في الهياكل والمنشآت المستقبلية.

تحديات أمام برنامج أرتيميس

تأتي هذه النتائج في وقت تستعد فيه ناسا لإعادة رواد الفضاء إلى سطح القمر ضمن برنامج Artemis program، وتحديدًا خلال مهمة Artemis 3 المقررة بحلول عام 2028.

فهم النشاط الزلزالي القمري أصبح ضرورة ملحّة، ليس فقط لأغراض البحث العلمي، بل لضمان سلامة رواد الفضاء والمنشآت التي قد تُبنى على السطح. اختيار مواقع الهبوط، وتحديد أماكن القواعد المستقبلية، وحتى تصميم البنية التحتية، كلها عوامل ستتأثر بهذه المعطيات الجديدة.

ويرى الخبراء أن أي وجود بشري طويل الأمد على القمر يجب أن يستند إلى خرائط جيولوجية دقيقة تأخذ في الاعتبار توزيع الحواف الصغيرة ومناطق الصدوع النشطة. كما أن نشر أجهزة رصد زلزالي متطورة سيكون خطوة أساسية لفهم طبيعة الاهتزازات القمرية بشكل أعمق.

قمر يتغير بصمت

هذا الاكتشاف يعيد صياغة الصورة التقليدية للقمر بوصفه عالمًا ميتًا جيولوجيًا. فبرغم بطء التغيرات، فإنها مستمرة وتحمل آثارًا ملموسة على تضاريسه. القمر، الذي لطالما بدا ساكنًا في سماء الأرض، يخفي في أعماقه تاريخًا حراريًا معقدًا لا يزال يُعيد تشكيل سطحه حتى اليوم.

ومع اقتراب عودة الإنسان إليه، تتحول هذه الاكتشافات من معلومات علمية مثيرة إلى عناصر حاسمة في تخطيط المستقبل الفضائي للبشرية. ففهم انكماش القمر وتداعياته قد يكون المفتاح لضمان استكشاف آمن ومستدام لهذا الجرم السماوي الذي رافق الأرض منذ نشأتها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com