قيود الاحتلال عند معبر قلنديا بالضفة الغربية تعيق وصول الفلسطينيين إلى القدس لأداء الجمعة الأولى من رمضان (الفرنسية)
خاص مركز بيروت للأخبار
في أول جمعة من شهر رمضان، لم تكن القدسمجرد مدينة مكتظة بالمصلين، بل بدت أقرب إلى مساحة مغلقة تخضع لإدارة أمنية مشددة. عند مداخل البلدة القديمة وطرق الوصول إلى المسجد الأقصى، انتشرت آلاف العناصر الأمنية الإسرائيلية، فيما تحولت الحواجز العسكرية إلى خطوط فرز قاسية أعادت رسم خريطة الوصول إلى أحد أكثر المواقع حساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
التقرير التالي يروي القصة في أربعة محاور، تكشف كيف تغير مشهد الجمعة الأولى في رمضان بعد حرب غزة، وكيف انتقلت الإجراءات من تنظيم أمني موسمي إلى منظومة ضبط ومراقبة متكاملة.
مع ساعات الفجر الأولى، بدأت الحشود الفلسطينية بالتوافد من الضفة الغربية إلى القدس، غير أن المشهد لم يكن اعتيادياً. الشرطة الإسرائيلية نشرت نحو ثلاثة آلاف عنصر في أحياء المدينة، خاصة في الأزقة المؤدية إلى الحرم القدسي، فيما أقيمت حواجز عسكرية متنقلة وثابتة، وخضعت الهويات لتدقيق صارم.
عند حاجز قلنديا شمالي المدينة، اصطفت طوابير طويلة من المصلين، بعضهم يحمل تصاريح ممغنطة، وآخرون ينتظرون موافقة لم تأتِ. وبحسب معطيات إسرائيلية، لم يتمكن سوى نحو ألفي فلسطيني من العبور حتى ساعات الصباح الأولى، وسط إعلان رسمي بأن الحد الأقصى المسموح به هو عشرة آلاف مصلٍ فقط من الضفة الغربية.
المدينة بدت وكأنها تخضع لإدارة أمنية استثنائية، مكعبات إسمنتية لإغلاق الطرق، طائرات مسيّرة تحلق فوق الحشود، وانتشار عسكري على خطوط التماس مع الضفة.
“تصريح أمني” وبطاقة ممغنطة… منظومة عبور متعددة الطبقات
فلسطينيات عند معبر قلنديا شمال القدس المحتلة بانتظار السماح لهم بالوصول إلى المسجد الأقصى (الفرنسية)
لم يعد الوصول إلى المسجد الأقصى مرتبطاً بالعمر فقط كما في السنوات الماضية، بل أصبح مشروطاً بمنظومة مركبة، يتطلب الحصول المسبق على تصريح يومي خاص مع موافقة أمنية مسبقة وبطاقة ممغنطة فعالة إضافة إلى توثيق رقمي عند العودة إلى الضفة الغربية.
وتتولى وحدة “كوغات” التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية إدارة هذه العملية، بما يجعل حق الوصول إلى الصلاة مرتبطاً بمسار بيروقراطي–أمني معقد.
القيود العمرية أيضاً جرى تشديدها، إذ حُدد سن الخمسين للنساء والخامسة والخمسين للرجال، بعد أن كانت الفئات المسموح لها أوسع قبل حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الأخطر، هو ما وُصف بـ”الملاحقة اللاحقة”، حيث سيتم تتبع من يدخل القدس، ومن يتأخر في العودة إلى الضفة يُبلّغ عنه داخل المدينة لإعادته. أي أن المراقبة لا تنتهي عند البوابة، بل تمتد لما بعد أداء الصلاة.
أرقام تكشف التحول… من 200 ألف إلى 60 ألفاً
قبل الحرب على غزة، كان عدد المصلين في أيام الجمعة خلال رمضان يتجاوز 200 ألف داخل باحات الأقصى، وفق معطيات محافظة القدس. اليوم، بالكاد يصل العدد إلى نحو 60 ألفاً.
الفارق لا يتعلق فقط بالمعابر، بل أيضاً بما يحدث داخل المسجد. فقد مُنعت دائرة الأوقاف الإسلامية من نصب مظلات لحماية المصلين من الطقس وتجهيز عيادات طبية ميدانية وكذلك منعت إقامة موائد الإفطار داخل باحات المسجد.
هذا التقليص في الخدمات يعكس – وفق مسؤولين فلسطينيين – سياسة تهدف إلى تقليص الكثافة البشرية داخل الحرم، مقابل تمديد ساعات اقتحام المستوطنين للمسجد ساعة إضافية يومياً باستثناء يوم الجمعة.
هنا لا يصبح الرقم مجرد إحصاء، بل مؤشر على تحول في إدارة المكان: من احتواء الحشود إلى إعادة ضبطها.
سياق ما بعد 7 أكتوبر… الأقصى في قلب المعادلة الأمنية
منذ اندلاع الحرب على غزة، تصاعدت القيود تدريجياً. ما كان يُفرض بشكل موسمي خلال رمضان، بات اليوم سياسة ممتدة طوال العام، تتجدد ذروتها في المواسم الدينية.
السلطات الإسرائيلية تبرر الإجراءات باعتبارات “أمنية وقائية”، بينما ترى محافظة القدس أن الهدف هو تقليص أعداد المصلين وفرض واقع ديمغرافي وأمني جديد في المدينة.
في هذا السياق، لم تعد الجمعة الأولى في رمضان مجرد مناسبة دينية، بل تحولت إلى اختبار سياسي وأمني يعكس طبيعة المرحلة: مرحلة تتداخل فيها العبادة بالرقابة، والروحانية بالإجراءات الصارمة، والرمزية الدينية بالحسابات الاستراتيجية.
ويُعد المسجد الأقصى من أكثر النقاط حساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وأي تغيير في آليات الوصول إليه غالباً ما ينعكس توتراً ميدانياً واسعاً، إذ شهدت سنوات سابقة قيوداً موسمية خلال رمضان، لكنها كانت أقل تعقيداً من حيث التصاريح الرقمية والتوثيق الأمني.
وبعد حرب غزة 2023، توسعت دائرة القيود لتشمل فئات عمرية أوسع، مع تشديد آليات المتابعة الأمنية. فيما تزايدت في المقابل مدة اقتحامات المستوطنين لساحات المسجد، في ظل توتر سياسي وأمني مستمر في القدس والضفة الغربية.