باسم الموسوي
لم يكن ذكر المسجد الأقصى في سورة الإسراء تفصيلاً عابرًا في نص ديني، بل كان تأسيسًا مبكرًا لعلاقة عميقة بين الوحي والمكان، وبين القداسة والجغرافيا. ومع ذلك، فإن هذا الذكر القرآني ظل، عبر القرون، موضوع تأويلات متعددة، تراوحت بين الفهم التعبّدي البسيط والقراءات السياسية المتأخرة، وصولًا إلى محاولات حديثة لنزع دلالته المكانية الواضحة. في هذا السياق، تكتسب القراءة التاريخية النقدية أهمية مضاعفة، لأنها تُعيد السؤال إلى مستواه الأول: ماذا يعني المسجد الأقصى في النص، وأين يقع في الوعي الإسلامي المبكر؟
من بين هذه المقاربات، يبرز عمل المؤرخ الأمريكي فرانسيس إدوارد بيترز في كتابه Mecca: A Literary History of the Muslim Holy Land، الذي يقدّم قراءة دقيقة لموقع المسجد الأقصى ودلالته في الإسلام المبكر. ينطلق فرانسيس إدوارد بيترز من ملاحظة أساسية مفادها أن القرآن لا يتعامل مع المكان بوصفه معطى جغرافيًا محضًا، بل بوصفه حقلًا دلاليًا تتداخل فيه الذاكرة الدينية والتاريخ والطقس. فآية الإسراء لا تذكر انتقالًا رمزيًا أو رؤيويًا، بل تتحدث عن مسار مكاني واضح: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. هذا الانتقال يفترض، منطقيًا ونصيًا، وجود موضعين متمايزين، أحدهما معلوم ومركزي في مكة، والآخر «أقصى»، أي أبعد، ومُعرَّف بكونه محاطًا بالبركة.
يؤكد بيترز أن صفة «الأقصى» لا يمكن فهمها إلا في ضوء جغرافيا دينية كانت راسخة قبل الإسلام. فالعالم المتوسطي المتأخر، الذي نشأ فيه الإسلام، كان مشبعًا بفكرة «الأرض المباركة»، وهي فكرة مركزية في التراثين اليهودي والمسيحي. وفي هذا الإطار، كانت القدس تمثل، منذ قرون، نقطة التقاء النبوات، ومسرح الذاكرة الإبراهيمية، وموضع الهيكل، ثم القيامة في المخيال المسيحي. لذلك، فإن ربط «المسجد الأقصى» بهذه المدينة لا يبدو إسقاطًا لاحقًا، بل استمرارًا لمنطق ديني كان قائمًا في البيئة الثقافية للنص.
غير أن أحد أهم إسهامات بيترز يتمثل في تفكيكه للالتباس المرتبط بمفهوم «المسجد» نفسه. فالكلمة، في الاستعمال القرآني المبكر، لا تعني بالضرورة مبنى معماريًا محددًا، وإنما تشير أساسًا إلى موضع للسجود، أي إلى مكان مكرَّس للعبادة. وبهذا المعنى، فإن غياب بناء إسلامي في القدس زمن النبي لا يشكل إشكالًا، لأن النص لا يفترض وجود بناء، بل يشير إلى موضع مقدّس. إن هذا الفهم ينسف، من أساسها، الاعتراضات التي تستند إلى الحجة العمرانية لتشكيك العلاقة بين الآية والقدس.
يذهب بيترز أبعد من ذلك حين يوضح أن العمارة الإسلامية في القدس، التي تعود إلى العصر الأموي، لم تُنشئ قداسة جديدة، بل جاءت لتجسيد قداسة قائمة سلفًا في النص والاعتقاد. فبناء قبة الصخرة والجامع القبلي لم يكن فعل تأسيس ديني بقدر ما كان فعل تثبيت سياسي–رمزي لمعنى قرآني سابق. الدولة الأموية، في هذا السياق، لم تختر القدس اعتباطًا، بل استجابت لبنية دلالية موجودة في الوحي وفي الذاكرة الجماعية للمسلمين الأوائل.
ومن هنا، يرفض بيترز الأطروحات التي تزعم أن المسجد الأقصى كان في موقع آخر داخل الحجاز، أو أنه موضع غامض لا علاقة له بالقدس. فهذه الأطروحات، برأيه، لا تستند إلى أي تقليد تفسيري مبكر، ولا تجد لها أثرًا في كتابات المفسرين الأوائل أو المؤرخين المسلمين في القرون الأولى. بل على العكس، فإن الإجماع المبكر، قبل تشكّل الدول والمذاهب، كان واضحًا في ربط الإسراء بالقدس، بوصفها الطرف الثاني في جغرافيا القداسة الإسلامية.
تكمن أهمية هذا الاستنتاج في كونه يعيد ترتيب العلاقة بين النص والتاريخ. فبدل أن يُقرأ النص في ضوء الوقائع السياسية اللاحقة، يُقرأ التاريخ في ضوء النص، بما يحمله من إشارات لغوية ودلالية. وبهذا المعنى، فإن المسجد الأقصى ليس نتاج صراع سياسي حديث، ولا نتيجة توسع عمراني أموي فحسب، بل هو عنصر بنيوي في تصور الإسلام للعالم المقدّس.
تُظهر قراءة بيترز أيضًا أن الجغرافيا المقدسة في الإسلام لم تكن منغلقة أو منقطعة عن التقاليد الدينية السابقة، بل دخلت معها في حوار صامت. فالإسلام، وهو يعيد تأويل الإرث الإبراهيمي، لم يلغِ مركزية القدس، بل أعاد دمجها في منظومة جديدة، يكون فيها المسجد الحرام نقطة الانطلاق، والمسجد الأقصى نقطة الاتصال بتاريخ النبوات السابق. بهذا، يصبح الإسراء حدثًا ذا بعد كوني، لا محليًا، يربط بين فضاءين مقدسين ويؤسس لوحدة رمزية تتجاوز حدود القبيلة والمدينة.
في هذا الإطار، لا يعود السؤال «أين يقع المسجد الأقصى؟» سؤالًا تقنيًا أو جغرافيًا بحتًا، بل سؤالًا عن كيفية تشكّل المعنى في النص الديني. فالمكان، في القرآن، ليس محايدًا، بل محمّل بالذاكرة والبركة والتاريخ. والمسجد الأقصى، بوصفه موضعًا «بارك الله حوله»، يكتسب قيمته من هذا الإحاطة الرمزية، لا من الجدران أو القباب.
إن إعادة طرح هذا الفهم اليوم ليست ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة فكرية. ففي زمن تتكاثر فيه محاولات تفريغ النصوص من سياقاتها، أو إعادة تفسيرها بما يخدم نزاعات آنية، يصبح الرجوع إلى القراءة التاريخية النقدية فعل مقاومة معرفية. قراءة بيترز تذكّرنا بأن القدس في الإسلام ليست إضافة متأخرة ولا عنصرًا هامشيًا، بل جزء أصيل من البنية الدلالية للوحي.
وهكذا، فإن المسجد الأقصى، قبل أن يكون موقعًا معماريًا أو رمزًا سياسيًا، هو مفهوم قرآني تشكّل في لحظة تأسيسية من تاريخ الإسلام. مفهوم يربط بين الأرض والسماء، وبين الذاكرة والعبادة، وبين النص والمكان. ومن دون فهم هذا البعد، يبقى النقاش حول الأقصى ناقصًا، أسير اللحظة، ومفصولًا عن جذوره العميقة في التاريخ الديني للإسلام.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com