خاص مركز بيروت للأخبار – الصحافة الإسرائيلية
تتصاعد المواجهة داخل “إسرائيل” مع عودة ملف تجنيد الحريديم إلى الواجهة، بعد احتجاجات واسعة قطعت طرقاً رئيسية قرب بيت شيمش والقدس، في مشهد يعكس انقساماً عميقاً بين الدولة ومجتمع ديني يرفض الخدمة العسكرية. الأزمة، التي تمتد جذورها إلى قيام “إسرائيل”، تضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار سياسي دقيق قد يعيد خلط أوراق الائتلاف الحاكم.

إقرأ أيضاً:
وسائل إعلام إسرائيلية: متظاهرون من “الحريديم” مناهضون للتجنيد يحطمون نافذة سيارة عضو “الكنيست” يوآف بن تسور
نموت و لا نتجنّد” الحريديم يجددون رفضهم القاطع للالتحاق بالجيش الإسرائيلي

200 ألف من الحريديم يجتاحون القدس رفضاً للتجنيد الإلزامي .. وأزمة تهدد حكومة نتنياهو

طرق مغلقة وصدام مباشر

تحولت الطرق المؤدية إلى القدس إلى ساحات اشتباك بعد أن أغلق محتجون حريديم الشوارع بأجسادهم، احتجاجاً على إجراءات التجنيد. وجاء التصعيد إثر أحداث شهدتها مدينة بني براك، ذات الغالبية الحريدية، عقب وصول جنديتين إلى منزل أحد الشبان المرشحين للتجنيد.

مقاطع فيديو متداولة أظهرت مطاردات وقلب سيارة خلال الاحتجاجات، قبل تدخل الشرطة لتأمين الجنود. وأسفرت المواجهات عن اعتقال 26 محتجاً، أُفرج عنهم لاحقاً ووُضعوا تحت الإقامة الجبرية، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية.

قرار قضائي يشعل الشارع

تأتي هذه التطورات في ظل قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في 25 يونيو/حزيران 2024، والذي ألغى فعلياً الإعفاءات الواسعة للحريديم من الخدمة العسكرية، وألزم الحكومة بوضع إطار قانوني منسجم مع مبدأ المساواة.

الاحتجاجات لم تعد مجرد اعتراض اجتماعي، بل باتت مدفوعة بمرجعيات دينية مؤثرة، بينها الحاخام موشيه تسيداكا، ما يمنحها زخماً تنظيمياً واسعاً. ففي 7 يناير/كانون الثاني 2026، شارك عشرات الآلاف في مظاهرة حاشدة ضد التجنيد، في رسالة مباشرة إلى الحكومة.

بينيت يحذّر: “دولة داخل الدولة”

رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت دخل على خط الأزمة، محذراً مما وصفه بـ”إقامة دولة حريدية مستقلة داخل إسرائيل”، معتبراً أن استمرار الإعفاءات يُموَّل عملياً من دافعي الضرائب.

تصريحاته سلطت الضوء على مأزق نتنياهو، الذي يعتمد على حزبي شاس و”يهدوت هتوراه” داخل الائتلاف. وقد لوّح الحزبان، اللذان يمتلكان معاً 18 مقعداً، بإسقاط الحكومة إذا لم يُمرَّر قانون يُبقي على إعفاء الحريديم من التجنيد.

الائتلاف الحالي يملك 68 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، فيما يحتاج إلى 61 فقط للبقاء، ما يجعل أي انسحاب حريدي تهديداً مباشراً لبقاء الحكومة حتى نهاية ولايتها في أكتوبر/تشرين الأول 2026.

جذور تاريخية تتجدد

تعود جذور الأزمة إلى عام 1948 حين وافق دافيد بن غوريون على إعفاء محدود لطلاب المدارس الدينية (اليشيفوت)، بناءً على تفاهم مع حزب أغودات يسرائيل. لكن الاستثناء تحوّل عبر العقود إلى قاعدة، في ظل تنامي ديموغرافي للحريديم الذين يشكّلون اليوم نحو 13% من السكان.

محاولات الدمج لم تغب كلياً؛ ففي تسعينيات القرن الماضي أُنشئت وحدات عسكرية خاصة بالحريديم، وانخرط بعضهم في أجهزة أمنية، إلا أن التيار الغالب بقي رافضاً، معتبراً الخدمة العسكرية تهديداً لهويته الدينية.

أزمة هوية… أم أزمة حكم؟

في خطابه، سعى نتنياهو إلى احتواء التصعيد، معتبراً أن “أعمال الشغب العنيفة” صادرة عن أقلية متطرفة لا تمثل المجتمع الحريدي بأكمله، مؤكداً أن الفوضى لن تُقبل.

لكن جوهر الأزمة يتجاوز الشارع. إنها صدام بين مفهومين للمواطنة، “دولة” تسعى إلى مساواة قانونية شاملة، ومجتمع ديني يرى في ذاته كياناً منفصلاً بهوية خاصة. ومع ضغط قضائي متصاعد ونفوذ سياسي حريدي وازن، تبدو المعادلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

السؤال الذي يواجه نتنياهو اليوم ليس فقط كيف يهدئ الشارع، بل كيف يحافظ على تماسك ائتلافه من دون أن يخسر شرعيته أمام جمهور علماني يطالب بالمساواة في “تقاسم العبء”. وفي بلد اعتاد إدارة أزماته عبر التوازنات، قد تكون هذه المواجهة اختباراً لمستقبل النظام السياسي ذاته، لاسيما وأن الانقسام يتفاقم يوما بعد يوم وسط هجرة معاكسة حيث نزح آلاف المستوطنون خشية اندلاع حرب أخرى وخوفاً من انتكاسات ومآزق اقتصادية عمقتها حكومة نتنياهو منذ وصولها داخل المجتمع الإسرائيلي.

شاركنا رأيك:

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com