كتب مبارك بيضون
عادت المفاوضات الإيرانية–الأميركية إلى الواجهة مجددًا، في ظل تصعيد عسكري بلغ مستويات خطرة كادت أن تفضي إلى انفجار إقليمي واسع في شرقٍ أوسطٍ لم يذق طعم الاستقرار منذ عقود. يأتي ذلك بالتوازي مع تصاعد الحديث عن ضربة أميركية–إسرائيلية محتملة تستهدف مراكز قوى داخل طهران. وفي هذا السياق، دخل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مسار التفاوض متسلحًا بخبرة تفاوضية تمتد لأكثر من عشرين عامًا، مكّنته من دفع واشنطن إلى طاولة الحوار وفق الرؤية الإيرانية وأولوياتها، مع اختيار سلطنة عُمان مقرًا لهذه المفاوضات، في خطوة تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز البعد الشكلي إلى جوهر العملية التفاوضية.
لم يكن اختيار عُمان تفصيلاً عابرًا، بل شكّل رسالة واضحة تؤكد تمسّك إيران بالسلطنة باعتبارها دولة تحظى بالمصداقية والشفافية، وقادرة على أداء دور الوسيط الموثوق في الملفات الحساسة. ويعكس هذا الخيار ثقة متراكمة بُنيت على تجارب سابقة أثبتت خلالها مسقط قدرتها على إدارة مفاوضات معقدة بعيدًا عن الضغوط والاستقطابات الإقليمية والدولية.
كما يمنح هذا المسار حافزًا إضافيًا للمملكة العربية السعودية، التي يتناغم مسارها التفاوضي مع إيران مع الدور العُماني، ما يعزّز احتمالية تحوّل السلطنة إلى منصة أساسية لأي حوارات إقليمية مقبلة، لما تحمله من رمزية ومكانة خاصة على المستوى الخليجي.
في المقابل، تسعى تركيا إلى الانخراط في مختلف مسارات التفاوض الجارية في المنطقة، خشية بقائها خارج المشهد السياسي المتشكل، رغم ثقلها كدولة أطلسية ولاعب إقليمي محوري. غير أن المعطيات تشير إلى أن مستوى الثقة الذي تمنحه إيران لعُمان يبقى أعلى وأكثر رسوخًا من أي دولة أخرى، استنادًا إلى تجارب عملية سابقة ونتائج ملموسة.
وتفيد مصادر دبلوماسية بأن إيران رفضت، من حيث المبدأ، الشروط الأميركية المطروحة، والتي تضمنت حزمة مطالب أبرزها العمل على نزع فتيل الحروب في المنطقة، لا سيما في الساحات التي تنشط فيها قوى متماسكة ترتبط بشكل مباشر بطهران، والتي تصفها واشنطن بـ«الأذرع الإيرانية». كما شملت هذه الشروط فتح باب التفاوض حول البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي تعتبره طهران حقًا سياديًا أصيلاً في الدفاع عن النفس، مؤكدة أنها لم تكن يومًا دولة معتدية في الحروب التي فُرضت عليها، وهو ما أقرّ به المجتمع الدولي في محطات متعددة.
وبحسب المصادر نفسها، لم تُبدِ طهران استعدادًا للقبول بهذه الشروط بصيغتها الراهنة، معتبرةً أنها تمسّ جوهر توازن الردع ومصالحها الاستراتيجية العليا. إلا أنها، في المقابل، لا تغلق الباب نهائيًا أمام ترتيبات خاصة قد تُبحث في مراحل لاحقة، شريطة أن تكون مقرونة بمكاسب سياسية وأمنية واقتصادية تتيح لها تثبيت مكانتها الإقليمية وصون أمنها القومي.
وتستند المقاربة الإيرانية، وفق المعطيات المتوافرة، إلى مبدأ المقايضة المتكافئة لا التنازل تحت الضغط، في انعكاس واضح لإصرار طهران على إدارة هذا الملف من موقع قوة، مستفيدة من التحولات الإقليمية والدولية التي أعادت رسم أولويات الأطراف المنخرطة في مسار التفاوض.
وتشير المؤشرات إلى أن إيران لم تكن لتتجه نحو هذه المفاوضات لولا تحقيقها مكاسب ملموسة في نقاط التفاوض الأساسية. وفي مقدمة هذه المكاسب، إصرارها على حصر أي نقاش بملف تخصيب اليورانيوم حصراً، مع رفض قاطع لفتح ملفات إضافية خارج هذا الإطار.
وقد شكّل هذا الشرط الإيراني، في بداياته، نقطة خلاف جوهرية، إذ رفضت الإدارة الأميركية حصر المفاوضات بملف التخصيب، وسعت إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل قضايا إقليمية وأمنية أخرى. إلا أن معطيات متعددة تشير إلى أن الضغوط السياسية والدبلوماسية التي مارستها طهران أدّت في نهاية المطاف إلى قبول واشنطن بهذا الطرح، ولو بصورة ضمنية، باعتباره المدخل الإلزامي لإطلاق مسار التفاوض.
ويُقرأ هذا التطور على أنه نجاح إيراني في فرض أولوياتها منذ الجولة الأولى، وتكريس معادلة تفاوضية تقوم على معالجة الملف النووي من زاوية تقنية محددة، بعيدًا عن أي اشتراطات سياسية أو إقليمية إضافية، بما يعزّز موقعها التفاوضي ويحدّ من قدرة الطرف الأميركي على فرض أجندته الموسّعة.
أما الانصياع الأميركي للمطالب الإيرانية المبدئية، فيُرجّح أنه يندرج في إطار السعي لحماية الكيان الإسرائيلي من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، ولا سيما في ظل إنهاك القوات الإسرائيلية نتيجة الحروب المتنقلة التي خاضتها منذ عملية «طوفان الأقصى». ويترافق ذلك مع حسابات داخلية أميركية تتصل بمحاولة تمرير الانتخابات النصفية بأقل الخسائر الممكنة، في وقت بات فيه الرأي العام الأميركي مثقلًا بتداعيات الحروب الطويلة، وليس بمقدور الرئيس الأميركي تحمّل خسارة أحد المجلسين، تفاديًا لتكرار أزمات ولايته الأولى.
يضاف إلى ذلك أن القوى الدولية الكبرى ترفض الخيار العسكري، ولا تُبدي استعدادًا لدعم واشنطن في مغامرة غير مضمونة النتائج، خاصة في ظل أزمات دولية أخرى ضاغطة. ويبقى العامل الحاسم، وفق هذه القراءة، هو غياب الضمانات بشأن النتائج؛ فلو كانت الضربة مضمونة العواقب، لما ترددت الولايات المتحدة في تنفيذها.
