كتب عصام الحلبي – خاص مركز بيروت للاخبار

لم يعد الدور الأميركي في غزة والضفة الغربية قابلًا للتوصيف بوصفه انحيازًا سياسيًا أو فشلًا في الوساطة، بل بات يرتقي إلى مستوى الشراكة القانونية والسياسية في مشروع يهدف إلى تقويض التمثيل الفلسطيني، وتفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها السياسي، في انتهاك صريح لقواعد القانون الدولي ولالتزامات الولايات المتحدة نفسها بوصفها دولة راعية لاتفاقات وقّعتها وكانت طرفًا مباشرًا في هندستها.
إن استبعاد السلطة الفلسطينية عن أي دور فعلي في إدارة غزة لا يشكّل مجرد خيار سياسي، بل يمثل خرقًا مباشرًا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ففرض صيغ حكم بديلة، سواء تحت مسمى «مجلس السلام» أو إدارات تكنوقراط محلية، يتم خارج إرادة الشعب الفلسطيني، وبمعزل عن مؤسساته التمثيلية المعترف بها دوليًا، وهو ما يجعل هذه الصيغ كيانات مفروضة بقوة الأمر الواقع، لا شرعية لها قانونيًا.
واشنطن، التي تصرّ على تسويق نفسها حاميةً للنظام الدولي القائم على القواعد، تشارك فعليًا في تقويض هذه القواعد عبر توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لرفض إسرائيل إعادة تمكين السلطة الفلسطينية في غزة. امتناع الإدارة الأميركية عن معارضة التصريحات الإسرائيلية العلنية التي تنكر أي دور فلسطيني سيادي، لا يمكن فصله عن سياسة متعمّدة تهدف إلى إعادة تعريف السلطة كجهاز إداري منزوع الصلاحيات، وهو ما يتعارض مع جوهر اتفاقات أوسلو التي قامت على مبدأ نقل الصلاحيات تمهيدًا لإنهاء الاحتلال، لا إعادة إنتاجه بصيغة مُدارة.
الأخطر أن المقاربة الأميركية لا تكتفي بتجاهل الخرق الإسرائيلي، بل تساهم في ترسيخه، فالدعوات الأميركية إلى «إصلاح السلطة» و«إعادة تشكيلها» تُستخدم كأداة قانونية–سياسية لتبرير تعطيل صلاحياتها، بدل حمايتها. بهذا المعنى، تتحول لغة الإصلاح إلى غطاء قانوني زائف لسياسة تفريغ ممنهجة، تُحمِّل الفلسطينيين مسؤولية فشل عملية سياسية عطّلتها إسرائيل بدعم أميركي متواصل.
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن أي إدارة تُفرض على غزة في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على المعابر والمجال الجوي والبحري، تُعد امتدادًا للاحتلال لا بديلًا عنه. وعليه، فإن دعم واشنطن لصيغ حكم منفصلة عن السلطة الفلسطينية يُسهم في إدامة وضع الاحتلال، ويُحمّل الولايات المتحدة مسؤولية سياسية وأخلاقية، وقانونية، بصفتها طرفًا داعمًا لسياسات تُبقي الأرض المحتلة خارج أي مسار تحرري حقيقي.
هذا المسار لا يتوقف عند غزة، فالسياسة نفسها تُطبّق تدريجيًا في الضفة الغربية، حيث يجري تقويض صلاحيات السلطة عبر الاستيطان، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، ومنع أي توسّع للولاية القانونية الفلسطينية. الصمت الأميركي، بل والتواطؤ العملي مع هذا الواقع، يجعل واشنطن شريكًا في تحويل السلطة إلى كيان إداري تابع، لا يمتلك مقومات ممارسة الحكم، ولا أدوات الدفاع عن الحقوق الوطنية.
إن التمسك الأميركي بخطاب «حل الدولتين» في ظل هذه السياسات يفقد أي قيمة قانونية أو سياسية ،فلا يمكن لدولة تدّعي دعم قيام دولة فلسطينية أن تعمل، في الوقت نفسه، على تفكيك الإطار السياسي الوحيد القائم لهذا الكيان. هذا التناقض لا يُفسَّر إلا باعتباره سياسة متعمّدة لإدارة الصراع ضمن سقف الاحتلال، لا إنهائه.
وعليه، فإن تحميل واشنطن المسؤولية لم يعد موقفًا سياسيًا أو خطابًا احتجاجيًا، بل توصيفًا قانونيًا لمسار قائم على الوقائع. الولايات المتحدة، بدعمها استبعاد السلطة الفلسطينية عن غزة، وبسماحها بتفريغها في الضفة، تساهم في تقويض حق الشعب الفلسطيني في التمثيل والسيادة، وتضع نفسها في موقع الشريك في إعادة إنتاج الاحتلال بصيغة أقل كلفة وأكثر ديمومة.
إن المعركة اليوم لم تعد فقط مع الاحتلال الإسرائيلي، بل مع منظومة دولية تقودها واشنطن، تعمل على تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إداري–أمني، وبين إدارات مفروضة وسلطة منزوعة القرار، يُراد للحق الفلسطيني أن يُدار لا أن يُستعاد، في انتهاك واضح للقانون الدولي ولجوهر العدالة السياسية.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com