أساتذة لبنان في الميدان: معركة الكرامة قبل الرواتب

نادين خزعل

خاص “مركز بيروت للأخبار”

في المدرسة الرسمية، لمفهوم العمل بعدٌ آخر، هنا لا يؤدى فقط واجب وظيفي، بل يُحرس الوطن عبر فرسان معرفة، وعبر حاملي رسالة وطنية صامتة، يبنون الأجيال تحت سقوف متداعٍية ورواتب متآكلة وكرامة تُستنزف عامًا بعد عام.

هم الذين علموا بلا مقابل عادل، والذين صبروا حين انهارت العملة، والذين واصلوا الدخول إلى الصفوف فيما كان الوطن يخرج من حسابات الدولة.

اليوم، الاعتصام هو فعل بقاء، وصرخة حق في وجه إجحافٍ مزمن لم يُنصفه تشريع ولم يحمِ كرامته وعد.

في هذا السياق، نفّذت روابط التعليم الرسمي اعتصامًا رمزيًا أمام مدخل مجلس النواب من جهة بلدية بيروت، بالتزامن مع انعقاد جلسات المجلس، في خطوة هدفت إلى تذكير النواب بأن حقوق المعلمين لم تعد مطلبًا عابرًا، بل أمانة معلّقة في أعناقهم، بعدما قُطعت الوعود ولم تُنفّذ. وأكدت الروابط أن هذا التحرّك هو رسالة واضحة بأن زمن التسويف انتهى، وأن المعلمين لن يقبلوا بعد اليوم أن يكونوا الضحية الدائمة لأي موازنة تُقرّ على حسابهم.

وشدّدت الروابط على استمرار الدعوة إلى الإضراب والاعتصام، محددة يوم غد الخميس موعدًا لتحرّك جديد عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر أمام مدخل مجلس النواب من جهة بلدية بيروت، داعية الأساتذة والمعلمين إلى الحضور المبكر والتعبير عن غضبهم المشروع والمطالبة بحقوقهم المسلوبة.

كما أشارت إلى أن هذا اليوم يُعدّ آخر أيام مناقشة وإقرار الموازنة كما هو معلن، معتبرة أن النضال في هذه المرحلة واجب حتى الرمق الأخير، وأن معركة تحسين الرواتب لا تنتهي بإقرار الموازنة، بل ستُفتح بعدها مواجهة جديدة مع الحكومة، لأن استعادة الرواتب والأجور إلى قيمتها السابقة حق غير قابل للمساومة أو التأجيل.

وفي مقابلة خاصة مع مركز بيروت للأخبار، أكّد الدكتور حسين جواد رئيس رابطة معلمي التعليم الأساسي أن الإضراب والاعتصامات حققت هدفها الأساسي في إيصال الصوت، لافتًا إلى أن التظاهرة الحاشدة امتدت من منطقة بشارة الخوري وصولًا إلى مجلس النواب، وشارك فيها نحو 8000 أستاذ، في مشهد عكس حجم الغضب وعمق الوجع.

وأشار جواد إلى أن بعض النواب أبدوا مقاربة خجولة في ما يخص ملف الرواتب والأجور، في حين كان آخرون أكثر صدقًا ووضوحًا، مشددًا على أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة التي لم تتعامل بعد مع الأزمة بحجمها الحقيقي.

وأوضح الدكتور جواد أن اعتصام الغد أمام مجلس النواب عند الساعة الحادية عشرة هو رسالة مباشرة للنواب مفادها: “نحن هنا وننتظر الإنصاف”، مؤكدًا أن الخطوات اللاحقة لإقرار الموازنة ستُحدّد بناءً على إيجابياتها أو سلبياتها.

وحول أشكال التصعيد، كشف الدكتور جواد أن هناك خيارات متعددة مطروحة، مشيرًا إلى أن الإضراب المفتوح مستبعد في المرحلة الأولى، وأنه سيتم التشاور مع الجمعيات العمومية بشأن خطوات تصعيدية أخرى، من بينها العصيان التربوي، عدم تسليم نتائج امتحانات نصف السنة، مقاطعة الانتخابات، ومقاطعة الامتحانات الرسمية.

وختم الدكتور حسين جواد: “إذا لم نلمس أي ردود فعل إيجابية، سنُضطر إلى الذهاب إلى خيار لا نريده، لكنه قد يصبح حتميًا، وهو الإضراب المفتوح”.

وبعد..
تبقى صرخة الوجع أعلى.. أساتذة خرجوا إلى الشارع بأصواتهم وقبضاتهم المرفوعة، متحدّين البرد والعواصف والعوائق، حاملين وجع المدرسة الرسمية على أكتافهم. لم يطلبوا امتيازات، بل حقًا في العيش بكرامة، واعترافًا بأن من يبني الإنسان لا يجوز أن يُكسر. إنها معركة كرامة قبل أن تكون معركة رواتب، ومعركة وطن لا يُبنى إلا بعدالةٍ تبدأ من المعلّم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com