باسم الموسوي
لم يكن التصوف، في التاريخ الإسلامي، مجرد نزعة زهدية أو تجربة وجدانية فردية، بل كان دائمًا موضع نزاعٍ عميق حول من يملك حق تمثيل الباطن، ومن يحتكر تفسير العلاقة بين الله والإنسان. وفي السياق الشيعي الإمامي، ازدادت هذه الإشكالية حدّةً مع تحوّل التشيّع، خصوصًا في العصر الصفوي، من مذهبٍ ولائي–باطني إلى عقيدة دولة ذات جهاز فقهي ومؤسسات سلطوية. هنا بالذات، لا يعود الدفاع عن التصوف مسألةً أخلاقية أو ذوقية، بل يتحوّل إلى موقف فكري وسياسي ضمني، يعيد طرح سؤال الدين: أهو قانون أم تجربة؟ شريعة أم ولاية؟ نص أم سرّ؟
في هذا الأفق، يبرز مشروع الفقيه والفيلسوف الصفوي قطب الدين الأشكوَري بوصفه أحد أكثر أشكال الدفاع الشيعي عن التصوف تركيبًا وجرأة. فالأشكوَري لا يكتب من خارج المؤسسة الدينية، ولا من هامشٍ صوفيٍّ معزول، بل من داخل الجهاز الشرعي نفسه، بوصفه شيخَ إسلامٍ وقاضيًا وفقيهًا إماميًا. ومع ذلك، يختار أن يضع التصوف في قلب مشروعه الفكري، لا بوصفه إضافةً زائدة، بل باعتباره الوجه الباطني الضروري للتشيّع نفسه.
التصوف ليس دخيلًا بل امتداد للولاية
ينطلق الدفاع الشيعي عن التصوف، كما يبلوره الأشكوَري، من قلب العقيدة الإمامية ذاتها. فالتشيّع، في أصله، ليس مذهبَ فقهٍ فحسب، بل مذهب ولاية، أي علاقة خاصة بالمعنى الباطن للوحي، وبالوراثة الروحية للنبي عبر الأئمة. من هنا، لا يظهر التصوف كتجربة موازية أو منافسة، بل كـ استمرار تاريخي ووظيفي للبعد الباطني الذي حمله الأئمة ثم جرى تهميشه مع صعود الفقه السلطوي.
لذلك يعمد الأشكوَري إلى إعادة كتابة تاريخ التصوف، لا على طريقة المؤرخين، بل على طريقة “شرعنة النسب الروحي”. فالمتصوفة الأوائل – أويس القرني، كميل بن زياد، معروف الكرخي، البسطامي، وغيرهم – يُقدَّمون بوصفهم أبناء الولاية العلوية، سواء عبر اللقاء المباشر بالإمام، أو عبر التتلمذ الروحي، أو عبر الانخراط في باطن الدعوة. التصوف هنا ليس طريقًا خارج التشيّع، بل لغة أخرى لقول الشيء نفسه: معرفة الله عبر الولاية.
الشريعة، الطريقة، الحقيقة: وحدة لا تراتبية
في مواجهة الاتهام التقليدي للتصوف بأنه خروج على الشريعة، يقيم الأشكوَري دفاعه على ثلاثية كلاسيكية يعيد شحنها بمعنى شيعي دقيق: الشريعة، الطريقة، الحقيقة. هذه ليست مراتب زمنية يمكن تجاوزها، ولا درجات يُلغى بعضها ببعض، بل أسماء متكافئة لحقيقة واحدة. الشريعة من دون طريقة تتحول إلى جسد بلا روح، والطريقة من دون شريعة تنقلب إلى فوضى إباحيّة، والحقيقة من دون الاثنين ادعاءٌ أجوف.
بهذا المعنى، لا يدافع الأشكوَري عن التصوف ضد الفقه، بل يدافع عن وحدة التجربة الدينية ضد تشويهها من طرفين متقابلين: فقهاء حوّلوا الدين إلى جهاز ضبط، ومتصوفة إباحيين جعلوا الذوق ذريعة لإسقاط التكليف. الدفاع الشيعي عن التصوف هو، في العمق، دفاع عن دينٍ حيّ لا يُختزل في القانون ولا ينفلت من المعنى.
الحلاج: تبرئة الشطح وإعادة السياسة إلى المحنة
تبلغ هذه الرؤية ذروتها في موقف الأشكوَري من الحلاج، الشخصية التي شكّلت دائمًا نقطة توتر بين الفقه والتصوف. فبدل تكفيره أو التبرؤ منه، يعيد الأشكوَري تأويل تجربته بوصفها تجربة سكر روحي لا تقريرًا عقديًا. أقوال الشطح – «أنا الحق»، «ليس في جبتي إلا الله» – لا تُقرأ بوصفها دعوى ألوهية، بل بوصفها انمحاء الذات في التجلي، حيث لا يتكلم العبد عن نفسه بل من داخل حالٍ يغيب فيه التمييز.
الأهم من ذلك، أن الأشكوَري لا يكتفي بتبرئة الحلاج روحيًا، بل يُعيد تسييس محنته داخل أفق شيعي. فالحلاج، في قراءته، لم يُقتل بسبب الشطح فقط، بل لأنه دعا إلى “قضية صاحب الأمر”، أي إلى البعد المهدوي–الولائي الذي يشكّل جوهر التشيّع. هكذا تتحول محنة الحلاج من حادثة صوفية إلى صدام بين الولاية والسلطة، بين الباطن والدولة، بين الإمام الغائب ونظام الخلافة القائم.
التصوف والفلسفة: جبهة واحدة ضد التشيّع المُقنّن
لا ينفصل الدفاع الشيعي عن التصوف، عند الأشكوَري، عن دفاع موازٍ عن الفلسفة. فكلاهما – التصوف والعلوم العقلية – استُهدفا في العصر الصفوي من قبل فقهاء رأوا فيهما خطرًا على احتكارهم للتأويل. لذلك يربط الأشكوَري بين الحكمة الإشراقية والتجربة الصوفية، مستعيدًا تقليد السهروردي، ليؤكد أن العقل من دون ذوق أداة سلطة، والذوق من دون عقل انفعال أعمى. الدفاع عن التصوف هو، بالتالي، دفاع عن أفق معرفي مركّب يرفض اختزال الدين في النص الحرفي.
دفاع عن الإسلام لا عن التصوف فقط
في المحصلة، لا يبدو دفاع الأشكوَري دفاعًا عن “تيار” داخل الإسلام، بل دفاعًا عن إمكانية الإسلام ذاته بوصفه تجربة روحية–أخلاقية–معرفية لا تختزل في الفقه ولا تُدار كإدارة. التصوف، في هذا الأفق الشيعي، ليس زينةً روحية ولا بدعة تاريخية، بل الذاكرة الباطنية للتشيّع، واللغة التي تذكّر بأن الدين، قبل أن يكون قانونًا، كان وعدًا بالمعنى.
هكذا، يصبح الدفاع الشيعي عن التصوف دفاعًا عن الولاية ضد تقنينها، وعن الباطن ضد مصادرته، وعن الإنسان المؤمن ضد اختزاله إلى مكلَّفٍ صامت. وفي زمنٍ تُعاد فيه أسئلة السلطة والدين والروح إلى الواجهة، يستعيد هذا الدفاع راهنيته، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل بوصفه نقدًا جذريًا لكل دينٍ بلا قلب.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com