إيران في مرمى التهديد… حين تفقد واشنطن قدرة الحرب وتبقى إسرائيل أسيرة المظلّة الأميركية
بقلم مبارك بيضون
مدير مركز بيروت الأخبار
تتجه الأنظار اليوم إلى إيران في ظل تصاعد الحديث عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية أميركية، وهي ضربة إن حصلت فلن تكون إلا في إطار خدمة المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى، بعدما أثبتت التجارب السابقة أن إسرائيل عاجزة عن خوض مواجهة مباشرة مع إيران من دون إدارة وتخطيط وإسناد كامل من الولايات المتحدة الأميركية، غير أن المشهد الراهن يختلف جذريًا عن المراحل السابقة، إذ تواجه واشنطن واقعًا دوليًا وسياسيًا جديدًا يحدّ من قدرتها على تنفيذ ضربة عالية الجودة والأثر، ليس لأسباب عسكرية بحتة، بل نتيجة تآكل الثقة الدولية بدورها القيادي وفشلها في إعادة إنتاج تحالفات عريضة كما كانت تفعل في حروبها السابقة في المنطقة، ولا سيما أن الحرب الأخيرة التي شُنّت على إيران شهدت مشاركة دول أوروبية وغير أوروبية في إطار تحالفات كانت واشنطن تقودها وتفرض شروطها، إلا أن ما كشفته السياسة الأميركية لاحقًا من أحادية مفرطة وغطرسة سياسية وتعامل نفعي فجّ مع حلفائها الأوروبيين، إضافة إلى تجاهل المصالح الأوروبية وتهميش القرار الجماعي الغربي، أسهم في خلق حالة نفور وتجنّب لدى العديد من الدول التي لم تعد مستعدة لتكرار تجربة التحالفات السابقة، خصوصًا بعد انكشاف نماذج الخداع السياسي التي مارستها واشنطن في حروبها، وعلى رأسها الحرب على العراق حين سوّقت رواية أسلحة الدمار الشامل التي ثبت زيفها، ما أدى إلى انهيار المصداقية الأميركية على المستوى الدولي. وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة اليوم أقل قدرة على حشد إجماع عالمي ضد إيران، في مرحلة دقيقة تتسم بانحياز أميركي كامل لمصالح ضيقة وأجندات شخصية وسياسية، تعمل واشنطن على فرضها من دون أي مراعاة لحلفائها التقليديين في أوروبا، بل متجاوزة أدوار دول محورية كفرنسا وبريطانيا، وممعنة في إدارة أزمات الشرق الأوسط بعقلية السيطرة والهيمنة، كما ظهر في ملفات متعددة من فنزويلا إلى الشرق الأوسط، حيث تتجلى السياسة الأميركية في دعم غير مشروط لإسرائيل، وتوفير غطاء سياسي وعسكري لتحركاتها التوسعية في غزة وجنوب لبنان وسوريا، مع تعطيل أي مسار دولي أو مؤسساتي يمكن أن يفضي إلى مساءلة أو محاسبة، في إطار محاولة ممنهجة لطمس الحقائق وإقصاء المؤسسات الإقليمية والدولية عن المشهد. هذا الواقع ينعكس مباشرة على حسابات الحرب والسلم، إذ تجد إسرائيل نفسها في موقع القلق من أي مواجهة مفتوحة مع إيران، لا سيما في ظل تأكيد المسؤولين الإيرانيين أن بلادهم باتت اليوم في أعلى درجات الجهوزية العسكرية مقارنة بالسنوات الماضية، سواء على مستوى القدرات الصاروخية أو التطور التكنولوجي، فضلًا عن امتلاك أدوات استطلاع وتحديد أهداف متقدمة، بما في ذلك أقمار صناعية، في إطار شراكات استراتيجية مع قوى كبرى كالصين، ما يعزّز من قدرة إيران على إدارة أي مواجهة محتملة ضمن معادلات ردع إقليمية جديدة، ويضع المصالح الأميركية في المنطقة ضمن دائرة الاستهداف، خاصة مع دخول منظومات صاروخية قادرة على بلوغ عمق جغرافي لم يكن في الحسبان سابقًا، لتطال قواعد ومصالح حيوية في مناطق قريبة وبعيدة في آن واحد، الأمر الذي يجعل أي مغامرة عسكرية محسوبة على واشنطن أو إسرائيل محفوفة بتداعيات استراتيجية قد تتجاوز حدود إيران والمنطقة لتطال بنية النظام الدولي نفسه، في لحظة يبدو فيها العالم أقل قابلية للانخراط في حروب عبثية تقاد بقرار أحادي وتحت شعارات فقدت صدقيتها
