باسم الموسوي
ليست المركزية الغربية مجرّد انحيازٍ ثقافي، ولا هي خطأٌ عابر في تمثيل الآخر، بل هي بنية عميقة تشكّلت عبر قرون، واستقرّت في صميم الوعي الغربي بوصفها معيارًا للكونية، ومقياسًا للحقيقة، ومركزًا للمعنى. هكذا لا يعود الغرب “جزءًا من العالم”، بل يصبح هو العالم، فيما يغدو سواه أطرافًا، هوامش، أو تواريخ مؤجَّلة.
ما يفعله عبد الله إبراهيم في تفكيكه لهذا المفهوم هو نقل النقاش من مستوى الاتهام الأخلاقي إلى مستوى التحليل البنيوي: كيف تكوّنت هذه المركزية؟ بأي آليات أعادت إنتاج نفسها؟ ولماذا فشلت محاولات نقدها، سواء الغربية أو غير الغربية، في الخروج من أسرها؟
من التمركز الطبيعي إلى التمركز المعياري
كل جماعة بشرية تميل، بحكم الوجود، إلى النظر إلى ذاتها بوصفها مركزًا. غير أن ما يميّز التجربة الغربية هو انتقال هذا الميل الطبيعي إلى تمركز معياري: أي تحويل الخصوصي إلى كوني، والذاتي إلى معيار شامل، والتاريخ الأوروبي إلى تاريخ الإنسانية جمعاء.
هنا لا يعود الغرب يقول: “هذه تجربتنا”، بل يقول ضمنًا: “هذه هي التجربة”. لا يعود يقدّم نموذجه بوصفه أحد المسارات الممكنة، بل بوصفه المسار الضروري الذي ينبغي على الجميع أن يسلكوه، ولو على حساب ذاكرتهم، وسردياتهم، وأنماط وجودهم.
بهذا المعنى، لا تقوم المركزية الغربية على القوّة العسكرية وحدها، بل على السلطة الرمزية: سلطة تعريف العقل، والتقدم، والحداثة، والعلم، بل وحتى الإنسان نفسه.
التاريخ كأداة تمركز
أحد أخطر تجليات هذه المركزية هو إعادة كتابة التاريخ بوصفه خطًّا مستقيمًا يبدأ في اليونان، يمرّ بروما، ثم بأوروبا المسيحية، فالنهضة، فالأنوار، وينتهي بالحداثة الغربية. كل ما لا يدخل هذا السرد يُقصى، يُهمَّش، أو يُختزل في دور “الناقل” أو “الحافظ”.
الحضارات الأخرى لا تُلغى بالكامل، بل يُعاد توظيفها: الشرق يصبح طفولة الإنسانية، أو حكمتها الغامضة، أو مادتها الخام التي لم تبلغ بعدُ وعيها بذاتها. وهكذا يتحوّل الاختلاف إلى نقص، والتعدّد إلى تأخّر، والتاريخ غير الأوروبي إلى انتظار دائم للحاق بالمركز.
اختراع “الآخر”
في هذا السياق، لا يُولد “الآخر” بوصفه واقعًا مستقلًا، بل يُخترع بوصفه صورة وظيفية. الآخر هو ما يسمح للمركز أن يرى نفسه: عقلاني/لاعقلاني، متقدم/بدائي، علمي/أسطوري. ليست هذه الثنائيات بريئة، بل هي أدوات ترتيب للعالم وفق هرمٍ غير معلن، تتربّع الذات الغربية على قمّته.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن هذا الاختراع لا يتم بالقمع فقط، بل عبر المعرفة نفسها: الأنثروبولوجيا، التاريخ، السرد، وحتى الفلسفة. فالمعرفة هنا لا تصف العالم، بل تعيد تشكيله وفق منطق المركز.
مأزق النقد من داخل المركز
يبيّن عبد الله إبراهيم أن كثيرًا من النقد الغربي للمركزية الغربية ظلّ، paradoxically، أسيرًا لها. إذ غالبًا ما يتم نقد الهيمنة باسم قيم وُلدت داخل المركز ذاته، وبأدواته المفهومية نفسها. هكذا يُعاد إنتاج التفوّق الرمزي حتى في لحظة الاعتراف بالخطأ.
في المقابل، لم تسلم ردود الفعل غير الغربية من المأزق ذاته. فبعضها وقع في فخّ المركزية المعكوسة: استبدال مركز بمركز، لا تفكيك فكرة المركز نفسها. الدفاع الهويّاتي، حين يتحوّل إلى مطلق، يعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته، وإن بعناوين مختلفة.
ما بعد المركز: أفق مفتوح لا بديل جاهز
لا يقترح الكتاب بديلاً جاهزًا أو نموذجًا مكتملًا، بل يدعو إلى تحوّل أعمق: الخروج من منطق المركزية برمّته. أي الاعتراف بتعدّد المسارات التاريخية، وتكافؤ التجارب الإنسانية، واستحالة اختزال العالم في سردية واحدة، مهما بدت مغرية أو “عقلانية”.
في هذا الأفق، لا تعود الكونية حقيقة مُنجزة، بل مشروعًا مفتوحًا، يُبنى بالحوار لا بالفرض، وبالاعتراف لا بالإلحاق، وبالتاريخ المشترك لا بالتاريخ المُسيطِر.
حين يصبح التفكيك شرطًا للسياسة
ما يجعل هذا الكتاب فلسفيًا–سياسيًا في آن، هو إدراكه أن المركزية ليست مسألة نظرية فقط، بل شرطًا حاكمًا للسياسة العالمية، ولعلاقات القوة، ولشكل النظام الدولي نفسه. تفكيك المركزية الغربية ليس تمرينًا أكاديميًا، بل شرطٌ لتحرير الخيال السياسي من وهم المركز الواحد، والتاريخ الواحد، والمستقبل الواحد.
إنه دعوة إلى عالم بلا مركز متعالٍ، بلا ذاتٍ تحتكر المعنى، وبلا “آخر” محكوم بأن يكون مرآةً لغيره. عالم لا يبدأ من الغرب ولا ينتهي عنده، بل يُعاد التفكير فيه بوصفه فضاءً مشتركًا لتجارب متكافئة، لا درجات على سلّم واحد.
في ما يلي مقال فلسفي–سياسي مقارن منساب، مباشر، وجاهز للنشر، يضع مشروع عبد الله إبراهيم في مواجهةٍ تحليلية واضحة مع إدوارد سعيد ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد والتيار الديكولونيالي، لا بوصفهم أسماءً متجاورة، بل كطرائق مختلفة للإجابة عن سؤال واحد:
كيف نتحرّر من مركزٍ يدّعي الكونية؟

ما بعد نقد المركز: عبد الله إبراهيم في مواجهة سعيد، أركون، أبو زيد، والديكولونيال
إذا كان نقد المركزية الغربية قد أصبح اليوم جزءًا من الخطاب العالمي، فإن الخلاف الحقيقي لا يدور حول ضرورة النقد، بل حول مستواه:
هل ننتقد تمثيلات الغرب؟
أم بنيته المعرفية؟
أم شروط إنتاج العقل نفسه؟
أم منطق الكونية الذي يجعل المركز ممكنًا أصلًا؟
هنا تتباين المشاريع الأربعة، وتتقاطع أحيانًا، لكنها لا تفضي إلى الأفق ذاته.

1. عبد الله إبراهيم وإدوارد سعيد: من نقد التمثيل إلى تفكيك البنية
ينطلق إدوارد سعيد من سؤال التمثيل:
كيف مثّل الغرب الشرق؟
كيف صاغ صورة “الآخر” عبر السرد، والاستشراق، والمعرفة الأكاديمية؟
قوة سعيد تكمن في كشف التحالف بين المعرفة والسلطة، وفي فضح الكيفية التي يتحوّل بها الخطاب إلى أداة هيمنة. غير أن نقده، رغم جذريته، يظلّ مرتبطًا بـ ساحة الخطاب: النصوص، الصور، التمثيلات.
أما عبد الله إبراهيم، فيتقدّم خطوة أعمق. فالمشكلة، لديه، ليست فقط في كيف مثّل الغرب الآخر، بل في كيف جعل ذاته مركزًا كونيًا قبل أي تمثيل.
الاستشراق ليس أصل العطب، بل نتيجة لبنية أقدم:
بنية تجعل من التجربة الغربية معيارًا، ومن التاريخ الأوروبي سرديةً شاملة.
بعبارة مكثفة:
سعيد فكّك صورة الآخر،
وإبراهيم فكّك المرآة التي صنعت الصورة.

2. عبد الله إبراهيم ومحمد أركون: نقد العقل أم نقد تمركز العقل؟
مشروع محمد أركون هو مشروع نقد العقل الإسلامي، عبر أدوات الحداثة، والتاريخانية، والأنثروبولوجيا. هدفه المعلن هو تحرير الفكر الديني من الأرثوذكسيا، وفتح النص على إمكانات تأويلية جديدة.
غير أن عبد الله إبراهيم يرى مأزقًا صامتًا هنا:
كثير من هذا النقد يُمارَس من داخل أفق المركزية الغربية، حتى وهو يناهضها سياسيًا.
فالحداثة، والعقلانية، والعلمانية، تُفترَض بوصفها أطرًا كونية جاهزة، لا بوصفها تجارب تاريخية جزئية.
الاختلاف الجوهري إذن هو التالي:
أركون ينتقد العقل الإسلامي باسم عقلٍ كوني مفترض.

إبراهيم ينتقد ادعاء الكونية ذاته، سواء صدر عن الغرب أو استُعير لمساءلة الذات.

لهذا لا يسعى عبد الله إبراهيم إلى “تحديث” الآخر وفق نموذج، بل إلى تحرير المعرفة من نموذج واحد.

3. عبد الله إبراهيم ونصر حامد أبو زيد: تحرير النص أم تحرير الأفق؟
مع نصر حامد أبو زيد، نحن أمام مشروع شجاع لتحرير النص الديني من القراءة اللاهوتية المغلقة، وإعادته إلى سياقه التاريخي، واللغوي، والثقافي. النص عنده منتَج ثقافي، لا خطابًا متعاليًا خارج الزمن.
غير أن الاختلاف مع عبد الله إبراهيم لا يقع في مشروعية النقد، بل في حدوده.
أبو زيد يحرّر النص،
لكن عبد الله إبراهيم يسأل:
ضمن أي أفق معرفي يتم هذا التحرير؟
فحين يُقرأ النص دائمًا عبر أدوات مركزية واحدة (التاريخانية الغربية، مفهوم التقدّم، خطّية الزمن)، قد يتحوّل التحرير نفسه إلى إلحاق معرفي غير معلن.
إبراهيم لا يعارض تاريخية النص، لكنه يحذّر من تحويل التاريخانية إلى مركز جديد.

4. عبد الله إبراهيم والتيار الديكولونيالي: تفكيك الاستعمار أم تفكيك منطق المركز؟
يقترب عبد الله إبراهيم كثيرًا من الروح الديكولونيالية في نقده للهيمنة المعرفية، وفضحه لعلاقة الحداثة بالاستعمار، وإصراره على أن المعرفة ليست بريئة.
لكن ثمة فارق حاسم:
كثير من الخطاب الديكولونيالي يميل إلى استبدال مركز بمركز:
الجنوب بدل الشمال،
المقموع بدل المهيمن،
التجربة المستعمَرة بدل التجربة الأوروبية.
أما عبد الله إبراهيم، فيذهب أبعد:
المشكلة ليست من في المركز،
بل فكرة المركز نفسها.
لهذا يرفض كل خطاب يُعيد إنتاج الثنائية، حتى لو قلب اتجاهها. فالتحرّر الحقيقي، عنده، لا يكون بإقامة كونية مضادّة، بل بتفكيك وهم الكونية المغلقة.

5. الخلاصة: مشروع ضدّ “المركز” لا ضدّ “الغرب”
ما يجمع هذه المشاريع الأربعة هو رفض الهيمنة، لكن ما يميّز عبد الله إبراهيم هو أنه لا يقف عند نقد الغرب، ولا عند نقد النص، ولا عند نقد الاستعمار فقط، بل عند الشروط التي تجعل أي مركز ممكنًا.
إنه مشروع لا يطالب بالاعتراف، ولا بالتكافؤ الرمزي، ولا بتوسيع الكانون، بل بشيء أعمق وأخطر:
نزع الامتياز المعرفي عن أي ذات تدّعي تمثيل الإنسانية.
في هذا المعنى، لا يقدّم عبد الله إبراهيم خطاب مقاومة بالمعنى الشائع، بل خطاب تفكيك جذري لشروط السيطرة نفسها. وهو بذلك لا يقف ضد الغرب، بل ضد كل نظام يجعل من نفسه مرجعًا نهائيًا للعقل، والتاريخ، والمعنى.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com