حين اعتلى شهيدنا الأسمى سماحة السّيّد حسن نصر الله المنبر في خطابه الأخير في 19 أيلول 2024، الذي كان خطاباً استشهاديّاً وسياديّاً بكلّ ما للكلمة من معنى، وبنفس العبارة التي استعارها من خطاب شهيدنا الأسمى أطلّ رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون على السّلك الدّيبلوماسيّ ورؤساء البعثات الدّوليّة في القصر الجمهوريّ بخطابٍ تحدّث فيه عن الإنجازات الكبيرة التي تلخّص بالآتي:
1 ـ الحقيقة في “ما ترون لا في ما تسمعون”، وماضون في بسط سلطة الدّولة على كافّة أراضيها.
2 ـ أنجزنا الكثير بالتّعاون مع الرّئيسين بري وسلام وحقّقنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عاماً.
3 ـ بالرّغم من كلّ الاستفزازات والتّخوين والتّجريح والتّجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدّولة.
4 ـ الجيش سيطر على جنوب اللّيطاني ونظّف المنطقة من السّلاح غير الشّرعيّ.
على ضوء ما أعلنه الرّئيس عون أعيد طرح تساؤلاتٍ تاريخيّةٍ وحاليةٍ كثيرةٍ كانت ولا تزال راسخةً في ذاكرة الجنوبيّين وبالأخصّ أهالي القرى الأماميّة الذين كانوا ولا يزالون دائماً عرضةً لاعتداءات العدوّ الإسرائيليّ منذ نشوء كيانه الغاصب…
أولى تلك الحقائق التي لا تراها الدّولة هي هتك السّيادة اللّبنانيّة يومياً والاعتداء على لبنان وسقوط شهداء وجرحى من المواطنين اللبنانيّين وتدمير منازل في ظلّ عجزها عن وقف العدوان رغم التّنازلات التي تقدّمها للعدوّ منذ وقف إطلاق النّار؟!
والحقيقة الثّانية هي أنّه في حين يستمرّ العدوّ الاسرائيليّ باحتلال أراضٍ واحتجاز أسرى لبنانيّين تنشغل الدّولة ببسط سيادتها وتحقيق إنجازاتٍ لم يعرفها لبنان منذ أربعين عاماً، أول تلك الإنجازات عدم الرّدّ على الاعتداءات وعدم إطلاق رصاصة واحدة من لبنان خلال سنة من العهد، فهل السّكوت على العدوان من السّيادة؟ وهل إنّ تقديم المزيد من التّنازلات للعدوّ من السّيادة في شيءٍ؟ وهل يُعتبر الرّدّ على اعتداءات العدوّ استفزازاً؟ وهل المطالبة بوقف العدوان تخوين؟ وهل الإصرار على حقّ لبنان بتحرير أسراه وأراضيه تجنٍّ؟
الحقيقة التي لم يسمعها الكثيرون ولا يريدون سماعها هي نفس الحقيقة التي كنّا نسمعها من أجدادنا عن اعتداءات العدوّ وانتهاكه السّيادة اللّبنانيّة وارتكابه المجازر بحقّ الجنوبيّين منذ احتلاله لفلسطين عام 1948، فلربما لم يسمعوا أو يشاهدوا أو يقرأوا عن الإبادة الجماعيّة التي ارتكبها العدوّ الاسرائيليّ بحق أهالي بلدة حولا الجنوبيّة في تشرين الأوّل عام 1948 وعن توغلات العدوّ الاسرائيليّ المتكرّرة في العام نفسه وما بعده من السّنوات إلى قرى يارون وعيترون وبليدا وميس الجبل وكفركلا والعديسة وربّ ثلاثين وغيرها من القرى التي كان يفجّر العدو منازل أهلها ويقتل مزارعيها ويحتلّ أراضيهم، كلّ تلك الحقائق التي لا يزال يعيشها الجنوبيّون حتى اليوم وأكثر منها لم يسمعوا بها ولم يعايشوها لأنّهم لا يرون ولا يسمعون إلّا بعيون وآذان أميركيّة، أمّا الحقيقة الكبرى التي أعموا بصيرتهم عنها فهي نفس الحقيقة التي رأيناها وعايشناها مع المقاومة بتضحياتها وبكلّ انتصاراتها على مدى 40 عاماً وهو الإنجاز الذي عجزت الدّولة عن تحقيقه بتحرير الأرض من الاحتلال لا من مقاومة لبنانيّة قدّمت التّضحيات من أجل لبنان وحرّرت الأرض والأسرى بصمود وتلاحم ثلاثيّة الشّعب والجيش والمقاومة التي تمّ (تنظيف) جنوب اللّيطانيّ من (سلاحها غير الشّرعي) وهو السّلاح الذي اكتسب شرعيّته بدماء الشهداء وتضحيات المقاومين والأسرى والجرحى ومجتمع المقاومة الذي ضحّى بكلّ غالٍ ونفيسٍ لتحرير الأرض والإنسان.
ألم يكن الأوْلى والأجدى والأشرف لسيادة الدّولة تنظيف وتطهير أرض الجنوب من رجس الاحتلال وتنظيف لبنان من المتصهينين والمتأمركين الذين يحرّضون العدوّ للقضاء عليها وعلى بيئتها؟ تلك المقاومة التي نظّفت لبنان من الاحتلال وعملائه ومن التكفيريّين وحمت لبنان على مدى 26 عاماً منذ التّحرير وفرضت معادلات السّيادة لا الانبطاح. تلك الحقيقة التي ترجمها رجال الله في الميدان بُعيْد استشهاد شهيدنا الأسمى السّيد حسن نصر الله بصمودٍ أسطوريٍّ للمقاومين في القرى الأماميّة على مدى 66 يوماً من المواجهات مع النّخب من جيش العدوّ المدعوم غربيّاً وأميركيّاً. أمّا الحقيقة التي سمعناها دون أن نراها ولم ولن يسمعها (السياديّون) فهي حقيقة معاناة الجنوبيّين منذ نشوء هذا الكيان السّرطاني التي لخّصها سماحة السّيد عبد الحسين شرف الدين برسالةٍ إلى رئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري عام 1948 بعد مجزرة بلدة حولا الجنوبيّة يقول فيها:
وحسبنا الآن نكبة جبل عامل في حدوده المتاحة ودمائه المباحة، وقراه وقد صيح فيها نهباً، وأطفاله قد تأودت رعباً، وشبابه وقد استحر بهم الفتك… هذا الجبل العريق الذي يدفع ما عليه من ضرائب ولا يُعطى ما له من حقوق وكأنّه الشّريك الخاسر، تضرب عليه الذّلة والمسكنة ممّن ضربوا بالذّلة والمسكنة. هذا الجبل يدفع الغرم، ومن الغنم يحرم. فإنْ لم يكن من قدرة على الحماية، أفليس من قدرة على الوقاية؟ وإنْ قرأتم السّلام على جبل عامل، فقل السّلام على لبنان.
تلك هي سيادتنا المعمّدة بالدّم والشّهادة لا بالانبطاح والخنوع رغم كلّ ما عانيناه منذ 78 عاماً مع العدوّ الاسرائيليّ لا بدّ لنا من قراءة حقيقة ما قدّمته الدّولة للجنوب وحقيقة ما قدّمه الجنوبيّون للبنان. ويبقى السّؤال الأهمّ هل أولوية سيادة الدّولة على المواطن قبل سيادتها على الأرض وتنظيفها وتحريرها من رجس الاحتلال؟ وهل حدث في التّاريخ أنّ وطناً قام بتحرير نفسه من مقاومته؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com