باسم الموسوي
السِّلم ليس حالة طمأنينة، ولا تعبيرًا عن عدالة متحققة، ولا ثمرة رضى متبادل بين طبقات المجتمع. السِّلم هو، في المجتمعات الشديدة اللامساواة، اسمٌ آخر لإدارة الصراع من دون تفجيره، وتنظيم الغضب بحيث يبقى دون العتبة التي تحوّله إلى عنفٍ شامل. إنّه سلامٌ بلا مصالحة، وهدوءٌ بلا إنصاف، واستقرارٌ بلا أساس أخلاقي.
السِّلم هنا ليس غياب التوتر، بل توزيعه. هو قدرة النظام الاجتماعي على تفكيك الكتلة الخطِرة من السخط وتحويلها إلى احتكاكات يومية صغيرة، متكرّرة، مستهلكة. غضبٌ لا يُمنَع بل يُجزّأ، لا يُقمع بل يُرهَق، لا يُلغى بل يُدار. وحين يُدار الغضب، لا يعود قوةً سياسية، بل يتحوّل إلى تعبٍ نفسي، إلى شكوى، إلى تنافس بين المتشابهين، إلى عداوات أفقية تحجب العدو العمودي.
السِّلم يقوم على تكيّفٍ طويل المدى. الفقير لا يعيش الظلم كحادثة استثنائية تستوجب الرد، بل كجزءٍ من بنية العالم. إنّه لا ينتظر من الدولة حماية كاملة، ولا من الحياة إنصافًا مستقرًا. هكذا يُعاد تعريف الممكن، ويُخفض سقف التوقّعات، وتُعاد صياغة الكرامة بما يسمح لها بالبقاء في شروط مهينة. ليس لأن الإنسان بلا كرامة، بل لأن الكرامة نفسها تتعلّم كيف تنجو. من هنا يولد السِّلم: من قبولٍ قاسٍ، لا من رضا.
لكن السِّلم لا يقوم على التكيّف وحده؛ يقوم أيضًا على الخوف. ليس الخوف من السلطة وحدها، بل من المجهول الذي يلي انهيار النظام. حين يكون القانون هشًّا، والسجن مهينًا، والعنف غير الرسمي حاضرًا، يصبح العصيان مقامرة وجودية. الردع لا يحتاج إلى أن يكون عقلانيًا أو عادلاً؛ يكفي أن يكون فوضويًا وقاسيًا. الخوف هنا لا يُنتج خضوعًا واعيًا، بل حذرًا دائمًا، يُشبه الحكمة، ويُسمّى تعقّلًا.
السِّلم تحميه الأوهام النافعة. التعليم، مثلًا، لا يعمل فقط كأداة ترقٍّ، بل كآلية لتأجيل الصدام. إنّه وعدٌ غير مضمون، لكنه كافٍ لإبقاء الأفق مفتوحًا. ما دام هناك احتمال، ولو ضعيف، فإن الرهان على المستقبل يبدو أقل كلفة من تحطيم الحاضر. هكذا يتحوّل الأمل إلى أداة ضبط، لا إلى مشروع تحرّر.
والسياسة، في هذا السياق، ليست جهاز حلّ بل جهاز امتصاص. هي التي تنطق بالغضب بدل أن تترجمه، وتحوّل السخط إلى خطاب، والاحتقان إلى طقوس: انتخابات، شعارات، استقطاب. السياسة لا تنهي التناقضات؛ تُعيد تدويرها. تمنح الفقير شعورًا بالتمثيل دون أن تمنحه سلطة التغيير. وبذلك تُبقي السِّلم قائمًا، لا لأنها عادلة، بل لأنها نافذة.
حتى الفضاء العام يلعب دوره في السِّلم. القبح، الفوضى، انكسار المعايير، كلّها تُنتج وهمَ المساواة في البؤس. حين تبدو الدولة متعبة، يشعر الفقير أنّه ليس وحده المتروك. الجمال الفائق قد يُشعر بالإقصاء؛ القبح المشترك يُخفّف الإحساس بالهزيمة. السِّلم يستفيد من هذا التواطؤ البصري، من عالمٍ لا يذكّرك في كل زاوية بأنك خاسر.
غير أنّ السِّلم هشّ بطبيعته. إنّه ليس عقدًا اجتماعيًا بل هدنة طويلة، قائمة على شروط قابلة للتآكل. حين تتراكم الإهانات الصغيرة، وحين يفقد التعليم صدقيته، وحين تفشل السياسة في امتصاص الغضب، وحين يتحوّل الخوف إلى يأس—واليأس لا يحسب العواقب—يتحوّل السِّلم من حالة استقرار إلى حالة انتظار انفجار.
السِّلم، إذًا، ليس دليلًا على عدالة النظام، بل على كفاءته في إدارة اللاعدالة. وهو ليس ضمانة للمستقبل، بل تعليق مؤقّت للعنف. وما دام قائمًا على التكيّف والخوف والأوهام، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا دام السِّلم طويلًا؟ بل: كيف لم ينكسر بعد؟
في لبنان، يتّخذ السِّلم شكلًا أكثر تعقيدًا، لأنّه سِلْمٌ خرج من حربٍ ولم يخرج من شروطها. السِّلم الأهلي هنا ليس نتيجة تسوية عادلة، بل ثمرة إنهاك شامل، وتعبٍ جماعي من القتل، وخوفٍ عميق من العودة إلى لحظة الانفجار. ما يحفظ السِّلم في لبنان ليس اندماج الجماعات في دولةٍ جامعة، بل توازن هشّ بين مخاوف متقابلة، وكلُّ طرفٍ يعرف أنّ كسر الهدنة سيعيد فتح أبواب لا يملك أحد مفاتيح إغلاقها. السِّلم اللبناني ليس سلامًا، بل ذاكرة حربٍ لم تُحسَم، ولذلك لا تزال فاعلة بوصفها تهديدًا دائمًا.
السِّلم في لبنان يقوم على توزيع الغضب طائفيًا ومناطقيًا، بحيث لا يتراكم في اتجاهٍ واحد. الغضب موجود، كثيف، يومي، لكنه مُجزّأ: ضدّ الجار، ضدّ الطائفة الأخرى، ضدّ اللاجئ، ضدّ الموظف، ضدّ الدولة بوصفها كيانًا مجرّدًا بلا وجه. أمّا البُنى التي أنتجت الانهيار—المنظومة المالية، التحالفات السياسية–الاقتصادية، شبكات الريع—فتبقى بعيدة عن الاستهداف المباشر. هكذا يُدار السِّلم: ليس عبر إزالة أسباب الانهيار، بل عبر منع الغضب من أن يصير سياسيًا بالمعنى الجذري.
في لبنان أيضًا، يلعب الخوف دور الحارس الصامت للسِّلم. ليس الخوف من السلطة، لأن السلطة ضعيفة، بل الخوف من الفراغ، من الفوضى المطلقة، من عودة السلاح إلى الداخل، ومن تحوّل الشارع إلى مسرح تصفية حسابات أهلية. بعد الانهيار المالي، وبعد أن سُحقت الطبقة الوسطى، كان من الممكن أن ينكسر السِّلم. لكن ما حدث هو العكس: تحوّل الخوف إلى عقل جماعي، يقول إنّ كل شيء—حتى الإذلال اليومي—أهون من الحرب. هكذا يصبح السِّلم اختيارًا اضطراريًا، لا قناعة.
السياسة اللبنانية، بدورها، لا تحلّ الأزمة، بل تؤدّي وظيفة التهدئة السلبية. خطابها يُبقي الناس في حال تعبئة رمزية دائمة، من دون أفق تغيير. تُعاد إنتاج الوعود نفسها، وتُستعاد لغة الحماية، وتُستخدم الذاكرة الطائفية كدرعٍ ضدّ المساءلة. السياسة هنا ليست أداة تنظيم للخلاف، بل أداة لمنع تحوّله إلى صراعٍ طبقي أو اجتماعي شامل. وبذلك، تحمي السِّلم لا بوصفه قيمة، بل بوصفه شرط بقاء للنظام نفسه.
السِّلم اللبناني، إذًا، ليس دليل نضج، بل دليل عجز مُشترك: عجز الدولة عن الحكم، وعجز المجتمع عن القطيعة، وعجز الغضب عن أن يجد لغته الجامعة. إنّه سِلْمٌ قائم على الخوف من الأسوأ، لا على الأمل بالأفضل. سلامٌ بلا مصالحة، وهدنةٌ بلا عدالة، واستقرارٌ يُشبه الوقوف الطويل على حافة الهاوية—لا سقوطًا، ولا نجاة.
عاجل
- بيضون: المقاومة استعادت “عافيتها” وإسرائيل تفاوض تحت النار لفرض أطماعها
- غارة معادية استهدفت بلدة باتوليه
- بالفيديو: غارة إسرائيلية معادية استهدفت سيارة في الحوش – صور
- قذائف مدفعية معادية استهدفت محيط جبل بلاط – بنت جبيل
- إنذارات بالاخلاء لمبان في الكفور وأنصار
- عاجل: إصابة طفيفة في صفوف فريق عمل قناة الميادين أثناء تغطيتهم الغارات
- عاجل: الطيران الحربي الإسرائيلي يغير مستهدفًا الموقع المُهدد في بلدة الكفور
- عاجل: الطيران الحربي الإسرائيلي يغير مستهدفًا الموقع المُهدد في بلدة جرجوع
