باسم الموسوي
لم تكن حرب الاثني عشر يومًا حربًا بالمعنى الذي اعتاده الشرق الأوسط، ولم تكن سلمًا كذلك. ما جرى لم يكن صدامًا هدفه الانتصار، ولا مناورة هدفها الردع، بل حالة من الاحتكاك بين ثلاث إرادات عسكرية اكتشفت فجأة أنها لا تستطيع أن تفعل ما اعتادت فعله. لهذا السبب، كان أثر تلك الأيام أعمق من عدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي قُصفت. لقد بدّلت الحرب فكرة الحرب نفسها.
طوال عقود، كانت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تُدار وفق منطق غير معلن لكنه مستقر: الغرب يملك حرية الحركة، وإيران تملك قدرة الاحتمال. تل أبيب تضرب حيث تشاء، وواشنطن تحمي السقف، بينما يُفترض بطهران أن تستوعب أو أن ترد بوسائل جانبية، عبر حلفائها أو عبر الزمن. هذه المعادلة لم تكن عادلة، لكنها كانت قابلة للاستمرار لأنها قامت على افتراض واحد: أن الفعل والقرار بيد طرف، وأن الطرف الآخر محكوم بالتكيّف.
ما فعلته الأيام الاثنا عشر هو أنها أزالت هذا الافتراض من الأساس. فجأة، لم تعد إسرائيل قادرة على أن تتصرف كما لو أن كل ضربة لها ستبقى داخل مسرح محدود، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على أن تلوّح بالقوة من دون أن تدخل حسابات جديدة في كل مرة. والأهم، أن إيران لم تتصرف كطرف يريد كسر النظام، بل كطرف يريد أن يثبت أنه جزء لا يمكن تجاوزه في تحديد قواعده.
في قلب هذا التحول، لم يكن السلاح هو العامل الحاسم، بل الوعي السياسي بالمخاطر. حين دخلت الولايات المتحدة المواجهة مباشرة، كانت تحاول استعادة صورة القوة التي تفرض الإيقاع. لكنها سرعان ما اكتشفت أن كل خطوة إلى الأمام تضيق عليها هامش المناورة. الضربات التي وُجهت إلى إيران لم تُنتج خضوعًا، لكنها فتحت سلسلة من الاحتمالات التي لم تكن واشنطن راغبة في اختبارها حتى النهاية. وهكذا وُلد وضع غريب: قوة عظمى تتحرك، ثم تتوقف، ليس لأنها هُزمت، بل لأنها لا تعرف إلى أين يقودها تحركها التالي.
إسرائيل وجدت نفسها في وضع مشابه. فالدولة التي اعتادت أن ترى في المبادرة العسكرية مصدر أمنها، اكتشفت أن المبادرة لم تعد كافية إذا كان الخصم قادرًا على تحويل كل ضربة إلى معضلة استراتيجية. ليس لأن الرد سيكون مدمرًا، بل لأن الرد سيكون كافيًا لتغيير الحسابات. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين ما جرى وما سبقه: لم يعد الرد فعلًا يهدف إلى الانتصار، بل أصبح فعلًا يهدف إلى إرباك الخصم وإجباره على التردد.
إيران، في المقابل، لم تدخل الحرب لتثبت أنها قادرة على تدمير خصومها، بل لتثبت أنها قادرة على منعهم من العمل بحرية. هذا فرق نوعي في فهم القوة. فالقوة، في هذا السياق، لم تعد القدرة على فرض الإرادة، بل القدرة على تعطيل إرادة الآخر. أن تجعل الضربة مكلفة، لا مستحيلة. أن تجعل الحرب غير جذابة، لا مستحيلة. بهذا المعنى، لم تحاول طهران قلب الطاولة، بل تغيير شكلها.
ما أفرزته هذه الأيام هو نوع جديد من المواجهة: مواجهة بلا نهاية واضحة. لم يعد هناك سيناريو سريع للنصر، ولا طريق سهل للتراجع. كل طرف بات أسيرًا لمعادلة مفارِقة: يحتاج إلى أن يُظهر القوة كي لا يُضعف موقعه، لكنه يخشى أن يستخدمها كي لا يفتح بابًا لا يستطيع إغلاقه. هذه الحالة هي نقيض الحروب التقليدية، التي تقوم على الذهاب إلى أقصى نقطة ثم التفاوض. هنا، أقصى نقطة نفسها أصبحت خطًا أحمر.
في هذا المناخ، تغيّرت أيضًا أدوار اللاعبين الإقليميين. دول كانت تراقب من بعيد بدأت تحسب كلفة أي مواجهة جديدة على اقتصاداتها، على طرق تجارتها، وعلى استقرارها الداخلي. لم تعد الحرب مسألة تخص إيران وإسرائيل فقط، بل حدثًا قد يعيد ترتيب النظام الإقليمي برمّته. هذا الإدراك الجماعي هو أحد أهم نتائج تلك الأيام: الجميع صار جزءًا من معادلة الردع، شاء أم أبى.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد حرب الاثني عشر يومًا ليس: من ربح؟ بل: من فقد القدرة على التصرف كما كان؟ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على استخدام القوة بلا تبعات مفتوحة، وإسرائيل لم تعد قادرة على الاعتماد على الضربة الوقائية وحدها، وإيران لم تعد مجرد طرف ينتظر، بل صارت لاعبًا يفرض على الآخرين التفكير مرتين.
هكذا، لم تغيّر الحرب ميزان القوى بقدر ما غيّرت ميزان التوقعات. وهذا أخطر. لأن الحروب تُدار بالتوقعات قبل أن تُدار بالسلاح. وعندما تصبح التوقعات غامضة، يصبح الصراع نفسه غامضًا، مفتوحًا على توترات صغيرة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، ومغلقًا أمام حلول سريعة.
في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، وُلد واقع جديد: واقع لا تحكمه الهيمنة الكاملة، ولا التوازن المستقر، بل شبكة من المخاوف المتبادلة. عالم يعرف أن الضربة الأولى لم تعد ضمانة، وأن الرد ليس نهاية، وأن الصمت نفسه قد يكون مؤقتًا. هذه هي الوراثة الحقيقية لحرب الاثني عشر يومًا: ليس مشهدًا عسكريًا، بل عصرًا من التردد المسلّح، حيث كل طرف يحمل إصبعه على الزناد، لكنه يعرف أن إطلاقه لن يفتح باب النصر، بل باب المجهول.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com