حسن حردان
هل قرّرت الإدارة الأميركية حلّ مشاكلها الاقتصادية وتراجع نفوذها الدولي، عبر استخدام القوة الغاشمة، وتفجير الحدّ الأدنى من الاستقرار والأمن في العالم انطلاقاً من أميركا اللاتينية؟
إنّ التوجه الأميركي الأخير نحو فنزويلا بشنّ عدوان عليها وخطف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، وتهديدها دول أميركا اللاتينية التي ترفض الهيمنة الأميركية، ومن ثم إعلان الرئيس دونالد ترامب عزمه السيطرة على غرينلاند، لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل هو تعبير عن استراتيجية شاملة تهدف إلى معالجة أزمات داخلية عبر أدوات القوة الخارجية.
ترى واشنطن أنّ استعادة الهيمنة على “نصف الكرة الغربي” هي مفتاح حل لجزء كبير من مشاكلها:
أولاً، الهروب الى الأمام، عبر استخدام القوة الغاشمة…
1 ـ أمن الطاقة: تحوز فنزويلا على أكبر احتياطيات نفط في العالم. السيطرة عليها أو ضمان وصول الشركات الأميركية إليها يعني تأمين إمدادات طاقة رخيصة ومستقرة بعيداً عن تقلّبات الشرق الأوسط، وهو ما يخدم الاقتصاد الأميركي المنهك والمثقل بالدين العام الذي تجاوز عتبة الـ 37 تريليون دولار.
2 ـ محاصرة الصين وروسيا: تعتبر واشنطن أنّ التغلغل الاقتصادي الصيني في أميركا اللاتينية (خاصة في قطاعات المعادن والاتصالات) هو “غزو ناعم” يهدّد نفوذها. لذا، فإنّ استخدام “القوة الغاشمة” يهدف لكسر هذه الروابط وإجبار دول المنطقة على العودة للمظلة الأميركية.
ثانياً، العودة الى تطبيق عقيدة مونرو لتغيير الانظمة،
لم تعد الاستراتيجية الأميركية الجديدة تكتفي بالدفاع، بل انتقلت إلى “الهجوم الاستباقي” تحت غطاء محاربة “الإرهاب المخدر” بهدف:
1 ـ تغيير الأنظمة كأداة أمنية: لم يعد تغيير الأنظمة يهدف “لنشر الديمقراطية” كما في السابق، بل أصبح يُطرح كضرورة للأمن القومي الأميركي للسيطرة على تدفقات الهجرة ووقف تجارة “الفنتانيل”.
2 ـ تجاوز مجلس الأمن: باتت واشنطن ترى في المؤسسات الدولية عائقاً أمام سرعة استجابتها لمتطلبات أمنها القومي. هذا السلوك الأميركي يكرّس مبدأ “القوة هي الحق”، مما ينهي عملياً حقبة القانون الدولي الذي يحمي سيادة الدول.
ثالثا، تفجير الاستقرار العالمي عبر سيادة قانون الغاب،
إنّ الإقدام على عمل عسكري في فنزويلا دون غطاء دولي يعني دخول العالم في مرحلة انتقالية تتسم بالآتي:
1 ـ فقدان اليقين: ستشعر كافة الدول (حتى حلفاء أميركا) بأنها غير محمية بالقانون الدولي، مما سيدفعها لزيادة تسلحها أو البحث عن أحلاف نووية لحماية نفسها.
2 ـ الفوضى الإقليمية: أيّ هجوم على فنزويلا قد يؤدي إلى نزوح ملايين اللاجئين نحو الدول المجاورة، مما يفجر استقرار أميركا الجنوبية بالكامل ويخلق بؤرة توتر لا تنتهي.
انطلاقاً مما تقدّم فإنّ واشنطن تقامر حالياً باستقرار النظام العالمي مقابل الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى وحيدة في ما تسمّيه منطقتها الحيوية. هذا النهج قد ينجح على المدى القصير في خنق خصومها، لكنه يؤسّس لعالم “متعدّد الأقطاب” يسوده التصادم بدلاً من التعاون
