باسم الموسوي
لم يدخل فتح الأندلس إلى التاريخ بوصفه حدثًا، بل بوصفه رواية. فبين سنة 711 التي تُنسب إليها حركة العبور العسكري، والقرنين التاسع والعاشر اللذين كُتبت فيهما النصوص التي نملكها عن ذلك العبور، تمتد مسافة فكرية وسياسية هائلة، جرى خلالها تحويل وقائع متفرقة إلى قصة ذات بنية ومعنى، وإخضاعها لمنطق الشرعية والملكية والسلطة. ما نقرأه في المصادر العربية ليس ذاكرة جماعية للفتح، بل صياغة متأخرة له، كُتبت داخل صراعات الدولة والفقه وورثة الغنيمة، لا داخل غبار المعركة. بهذا المعنى لا يوجد «فتح» سابق على نصوصه، بل توجد نصوص صنعت فتحًا، وأعطته أسماءً وشخصيات ومسارات، لكي تجيب عن أسئلة لم تكن عسكرية بقدر ما كانت قانونية وسياسية: من يملك الأرض؟ من يرث الغنيمة؟ ومن يملك الحق في الحكم؟
هذا التحول في زاوية النظر هو ما تقترحه قراءة إدواردو مانثانو مورينو للمصادر العربية عن فتح الأندلس، إذ ينقل السؤال من البحث عن «ما الذي حدث؟» إلى تفكيك «لماذا رُوي هكذا؟». فالتناقضات التي تزخر بها الروايات، والتي حيّرت المؤرخين قرونًا، لا تعود في هذا المنظور إلى ضعف الذاكرة أو فساد النقل، بل إلى تعدد المشاريع التي استخدمت الماضي لتثبيت مواقعها في الحاضر. فكل سردية للفتح هي في العمق مطالبة بحقٍّ ما: حق في الأرض، أو في الغنيمة، أو في السلطة.
عندما ننظر إلى أقدم طبقات هذه الروايات يتبين أن نواتها لم تتشكل في الأندلس أصلًا، بل في مصر، داخل أوساط الفقه المالكي في القرن التاسع. ابن عبد الحكم، الفقيه المصري، هو أول من صاغ بنية متماسكة لفتح إفريقية والأندلس، لكن اهتمامه لم يكن عسكريًا ولا سرديًا، بل فقهيًا بالدرجة الأولى. كان سؤاله المركزي: هل فُتحت البلاد عنوة أم صلحًا؟ لأن الجواب يحدد مصير الملكية: إن كانت عنوة فالأرض ملك للدولة، وإن كانت صلحًا فهي تبقى بأيدي أهلها، وإن كانت غنيمة فهي حق للمحاربين. منذ البداية، إذن، كان «فتح الأندلس» ملفًا قانونيًا بقدر ما كان رواية تاريخية.
هذا النموذج المصري انتقل إلى الأندلس عبر عبد الملك بن حبيب، الفقيه القريب من البلاط الأموي في قرطبة، الذي أعاد إنتاج الرواية نفسها لكن داخل سياق سياسي مختلف. فهو يأخذ ثيمات ابن عبد الحكم—موسى، طارق، يوليان، الغنائم، الاستدعاء إلى دمشق—ويعيد ترتيبها بحيث تخدم سلطة الأمويين وتُبرز موسى بن نصير بوصفه ممثل الدولة والشرعية. هنا لا يعود الفتح مجرد فعل عسكري، بل يصبح تأسيسًا لحق سياسي مستمر.
ثم، في القرن العاشر، ومع ترسخ الخلافة الأموية في قرطبة، تتبلور طبقة ثالثة من السرد على يد أحمد الرازي وعريب بن سعد، وهما من كتّاب البلاط. في هذه المرحلة يتحول التاريخ صراحة إلى أداة دولة: رواية الفتح تُصاغ بوصفها مقدمة شرعية لسلطة الخلافة في الغرب الإسلامي. هذه الروايات، التي ستُنقل لاحقًا عبر المقري وابن عذاري وغيرهما، هي التي ستشكّل الصورة “الكلاسيكية” لفتح الأندلس في الذاكرة الإسلامية والأوروبية.
النتيجة الحاسمة التي يصل إليها مانثانو هي أن كل الثيمات الكبرى لرواية الفتح—طارق، موسى، يوليان، مائدة سليمان، الغنائم، قتل عبد العزيز، استدعاء موسى—وُلدت أصلًا داخل هذه التقاليد المصرية والفقهية، قبل أن تُعاد صياغتها في الأندلس. الأندلس لم تحتفظ بذاكرة فتحها، بل استوردت قصة جاهزة ثم أعادت تكييفها حسب صراعاتها الخاصة. وما يبدو لنا اليوم تناقضًا في الروايات ليس فوضى تاريخية، بل أثر مباشر لصراع على الشرعية.
فالأمويون احتاجوا رواية تقول إن الأرض فُتحت باسم الدولة، وبالتالي فهي ملك لها. وأحفاد المحاربين احتاجوا رواية تقول إن الأرض غُنمت بالسيف، فهي حقهم. والفقهاء احتاجوا تصنيفات تُدخل هذا الواقع في نظام الشريعة. هكذا صار الماضي حقل نزاع، وصار التاريخ أداة تفاوض على الملكية والسلطة.
حتى الشخصيات المركزية، طارق وموسى، لا تظهر هنا بوصفها ذوات تاريخية خالصة، بل بوصفها رموزًا في خطاب الشرعية. طارق يجسد فعل العبور والقوة الميدانية، وموسى يجسد الدولة والسلطة المركزية. التوتر بينهما في الروايات يعكس توترًا بنيويًا بين من يصنع الوقائع ومن يحتكر شرعنتها. وليس صدفة أن الروايات الأندلسية تميل إلى تعظيم موسى، لأنه الصورة التي تحتاجها الدولة الأموية لتثبيت نفسها بوصفها وريثة الفتح.
بهذا المعنى، لم يكن فتح الأندلس حدثًا يُروى، بل نظامًا من المعاني يُنتج. لم يكن الماضي هو الذي يفسر الحاضر، بل الحاضر هو الذي أعاد كتابة الماضي. وهذه هي القيمة العميقة لقراءة مانثانو: أنها تحررنا من وهم الذاكرة وتُدخلنا إلى تحليل التاريخ بوصفه ممارسة سلطة، حيث لا يُكتب ما وقع، بل ما يجب أن يُعترف به.
