خاص مركز بيروت للأخبار.
في ظل ثورة تكنولوجية رقمية متسارعة، أصبح تطبيق «تيك توك» منصة مفتوحة تُعرَض فيها الطفولة على إيقاع الترندات، من دون أية ضوابط واضحة أو وعي كافٍ بالمخاطر. فمع الانتشار الواسع للأغاني الرائجة، بات مشهد الفتيات الصغيرات وهنّ يرقصن ويتمايلن ويتبرّجن أمام الكاميرا أمرًا يوميًا، يثير قلقًا متصاعدًا حول التهديدات النفسية والاجتماعية التي تطال الأطفال والمراهقين.
وقد شكلت ترندات بعض الأغاني، وآخرها أغنية «شو رأيك كزدورة» نموذجًا صارخًا على هذا الانزلاق، إذ خرجت من إطارها الفني ليعاد تمثيلها بحركات وإيحاءات لا تنسجم مع عالم الطفولة والبراءة.
وعليه، لم يعد الأمر محصورًا بذوق فني أو حرية تعبير، إذ تعدى ذلك إلى الحماية والمسؤولية والرقابة.
تشير دراسات دولية في مجال السلامة الرقمية إلى أن أكثر من 60% من الأطفال بين 9 و15 عامًا يستخدمون «تيك توك» يوميًا، فيما يعترف نحو 40% من الأهالي بعدم مراقبتهم المنتظمة لما ينشره أبناؤهم. الأخطر أن ما يقارب ثلث الأطفال المستخدمين تعرّضوا لتعليقات تنمّر أو إيحاءات غير لائقة، في ظل غياب آليات حماية فعّالة. وتُظهر أبحاث نفسية أن الأطفال الذين يربطون قيمتهم الذاتية بعدد الإعجابات والمتابعين هم أكثر عرضة بنسبة تصل إلى 50% لاضطرابات القلق وتدنّي تقدير الذات في مرحلة المراهقة، إضافة إلى تراجع التحصيل الدراسي، مقابل تصاعد الهوس بالظهور والشهرة الرقمية.
فعلى من تقع المسؤولية؟
تتحمّل العائلة المسؤولية الأكبر، لأنها تسمح للأطفال بدخول هذا الفضاء المفتوح، بل تشجّعهم أحيانًا وتتباهى بمقاطعهم المصوّرة، متجاهلة أن ما يبدو «لطيفًا» اليوم قد يتحوّل غدًا إلى أداة تنمّر أو استغلال.
تقول السيدة راوية حمود: «اكتشفت متأخرة أن ابنتي لم تعد ترى نفسها طفلة، بل “محتوى”. كانت تسألني كم لايك حصد الفيديو، لا ماذا تعلّمت في المدرسة».
ماذا إذًا عن دور المدرسة؟
المدرسة لا تتحكم بما يحدث داخل المنازل، إلا أن دورها يبقى محوريًا في بناء الوعي. فالتربية لم تعد محصورة بالمناهج التقليدية، بل بات من الضروري إدراج التربية الرقمية ضمن البرامج التعليمية.
نقيب المدارس التعليمية الخاصة في الأطراف الأستاذ ربيع بزي

في هذا الإطار، قال نقيب المدارس التعليمية الخاصة في الأطراف الأستاذ ربيع بزي “نحن أمام جيل يعيش داخل الشاشة، وتجاهل التربية الرقمية يترك الطلاب وحدهم في مواجهة عالم لا يرحم، والمسؤولية الأولى تقع على عاتق الأهل لأنه في حال قامت المدرسة بالتوعية ولم يقم الأهل بالمراقبة فإن الطفل يكون أمام خطر رقمي داهم، بالتالي لا بد من تكامل الأدوار بين البيئة المدرسية والبيئة المنزلية ومن ثم البيئة المجتمعية من أجل تحصين الطفل”.
وتابع بزي: “ماذا عن مسؤولية الدولة والجهات الرسمية المعنية بتنظيم المحتوى الإعلامي وحماية الفئات الأكثر هشاشة؟
وكيف يُترك محتوى يُظهر أطفالًا في أوضاع لا تناسب أعمارهم ينتشر بلا أي توجيه أو تحذير أو مساءلة؟ وأين الحملات التوعوية الرسمية التي من المفترض أن تستهدف الأهالي قبل الأطفال؟”.
وبعد…
في المقابل، يطرح واقع المنصات الرقمية تساؤلات جدية حول دور الأمن العام أو أمن الدولة ووحدات الأمن الرقمي، لجهة رصد المحتوى الضار، والتدخل عند تحوّل الأطفال إلى مادة مكشوفة أمام جمهور واسع، قد يضم متحرّشين أو مبتزّين أو مستغلين. فهل يُعقل أن يُراقَب المحتوى السياسي بدقة، فيما يُترك المحتوى الذي يهدد الطفولة بلا أي إجراء؟ وهل تُختصر مهمة الأمن الرقمي بالجرائم التقنية فقط، أم تشمل الوقاية وحماية القاصرين؟
إلى جانب تقصير الدولة، يتحمّل المجتمع مسؤولية تكريس معايير تقييم جديدة تقوم على عدد اللايكات والمتابعين بدل القيم والإنجاز. وفي هذا الفراغ، تتقدّم الخوارزميات لتؤدي دور المربّي البديل، موجّهة السلوك والاهتمامات بلا رقيب.
الأخصائية النفسية التربوية ميرنا الترس

على صعيد آخر، الأخصائية النفسية التربوية ميرنا الترس قالت لمركز بيروت للأخبار : “الأطفال بين عمر 6 سنوات و 12 سنة يكونون في مرحلة بناء الجسد وهم لا يملكون القدرة على تحديد الحدود النفسية الآمنة وتعريضهم لمحتوى غير مناسب يسرع نضجهم النفسي قبل أوانه.”
وتابعت ميرنا الترس: ” انخراط الطفلات بشكل خاص بطريقة خاطئة بمنصات التواصل الاجتماعي يجعلهن عرضة لتشويه حقيقتهن وبالتالي تشويه القيمة الذاتية سيما وأن الدماغ في هذه المرحلة العمرية ليست لديه القدرة على التمييز بين الخطر وبين اللعب، وترسم الطفلة صورتها من منظار ما يراها الآخر عليه وليس من منظارها هي.”
وأضافت: ” هنا يبدأ الحديث عن خطر حقيقي، وتصبح الطفلة التي تقوم بالتبرج وارتداء ملابس غير مناسبة لعمرها عرضة لتحرش لفظي عبر تعليقات مسيئة وحتى إيحاءات جنسية من بعض مرتادي البيئات الرقمية كما تصبح عرضة للتواصل مع غرباء”.
إذًا، في المحصلة، تُطرح تساؤلات: من يحاسب المنصات حين تُستغل الطفولة تحت مسمّى “ترند”؟ لماذا لا تبادر وزارة الإعلام إلى سياسات حماية رقمية واضحة؟
متى سنعترف أن ترك الأطفال وحدهم في هذا الفضاء هو شكل من أشكال الإهمال؟
وليبق ماثلًا في أذهاننا أن الترند يزول و ما يُزرع في وعي الطفل يدمر مستقبله…
