باسم الموسوي
لا يمكن فهم إسرائيل الحديثة من خلال مؤسساتها الدستورية أو خطابها الديمقراطي المعلن، بل عبر المؤسسة التي سبقت الدولة ورافقتها وشكّلتها وأعادت إنتاجها باستمرار: الجيش. هذه هي الأطروحة الجذرية التي يقدّمها كتاب An Army Like No Other: How the Israel Defense Forces Made a Nation لحاييم بريشيث–زابنر، والذي لا يكتفي بكتابة تاريخ للجيش الإسرائيلي، بل يقدّم تشريحًا بنيويًا لدولة تشكّلت بالعسكرة ومن أجلها. فالجيش الإسرائيلي، بحسب هذا التحليل، ليس أداة سيادية محايدة، بل هو البنية التي أعادت صياغة المجتمع والهوية والسياسة والاقتصاد، وحوّلت الحرب من حدث استثنائي إلى حالة طبيعية دائمة.
ينطلق بريشيث–زابنر من قلب التجربة الإسرائيلية نفسها، لا من موقع خارجي. فهو ابن ناجين من الهولوكوست، وضابط سابق في الجيش، وشاهد مباشر على الفجوة العميقة بين خطاب «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم» والممارسة الفعلية على الأرض. هذه الخلفية تمنح كتابه طابعًا خاصًا، إذ لا يكتب من موقع الخصومة الأيديولوجية المسبقة، بل من موقع من عايش المؤسسة من الداخل، ثم انقلب عليها معرفيًا وأخلاقيًا. ومن هنا تأتي قوة أطروحته: العسكرة في إسرائيل ليست انحرافًا عن مشروع الدولة، بل هي جوهره التأسيسي.
يُظهر الكتاب أن حرب 1948 لم تكن «حرب استقلال» بالمعنى المتداول، بل لحظة تأسيس مزدوجة: تأسيس الدولة اليهودية من جهة، وتدمير المجتمع الفلسطيني من جهة أخرى. الجيش هنا لم يكن مجرد أداة تنفيذ، بل كان الفاعل الذي أنتج الوقائع الديموغرافية والجغرافية التي قامت عليها الدولة. هذا التحليل يلتقي مباشرة مع أطروحات Ilan Pappé، ولا سيما في كتابه عن التطهير العرقي في فلسطين، حيث يرى بابيه أن النكبة لم تكن نتيجة عرضية للحرب، بل مشروعًا مخطَّطًا نفّذته البنية العسكرية–الصهيونية. غير أن بريشيث–زابنر يذهب أبعد من بابيه في نقطة مركزية: فبينما يركّز بابيه على الجريمة التأسيسية بحق الفلسطينيين، يركّز بريشيث–زابنر على ما فعلته هذه الجريمة بالمجتمع الإسرائيلي نفسه، وكيف أعادت صياغته كـ«أمة تحت السلاح».
في هذا الإطار، تصبح الحروب اللاحقة، من 1956 إلى 1967 و1973، ثم لبنان وغزة، ليست انقطاعات تاريخية، بل محطات في عملية مستمرة لإعادة إنتاج الهوية العسكرية. فحرب 1967، التي تُقدَّم عادة بوصفها نصرًا خاطفًا، تُحلَّل هنا كنقطة تحوّل كارثية أدخلت إسرائيل في احتلال دائم، وحوّلت الجيش من قوة نظامية إلى جهاز إدارة استعمارية، يضبط حياة ملايين المدنيين الفلسطينيين. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ممكناً الحديث عن «ديمقراطية إسرائيلية» من دون ربطها ببنية السيطرة العسكرية.
هنا تتقاطع أطروحة بريشيث–زابنر مع نقد Shlomo Sand للأساطير المؤسسة للصهيونية، ولا سيما فكرة «الديمقراطية اليهودية» و«الشعب اليهودي» بوصفه كيانًا تاريخيًا متجانسًا. ساند يفكّك الأساس الأسطوري للهوية القومية، ويبيّن أن «الدولة اليهودية» قامت على سرديات مختلَقة عن الأصل والاستمرارية. أما بريشيث–زابنر، فيُظهر كيف جرى ملء هذا الفراغ الأسطوري بمؤسسة الجيش، بحيث أصبح الانتماء العسكري، لا الأصل التاريخي، هو الرابط الفعلي بين أفراد الجماعة. فحين تفشل الأسطورة في إنتاج هوية مستقرة، تتكفّل العسكرة بسدّ النقص.
يتجلّى هذا بوضوح في تحليل الكتاب للثقافة واللغة. فالحرب تُسمّى «عملية»، والمجازر تُمنح أسماء توراتية أو شاعرية، والعنف يُعاد تقديمه كطقس وطني. هذه الممارسات ليست مجرد دعاية، بل آليات نفسية–اجتماعية لتطبيع القتل وتحويله إلى فعل عادي، بل ضروري. وهنا يتجاوز بريشيث–زابنر التحليل السياسي إلى تحليل ثقافي عميق، يُظهر كيف تصبح اللغة نفسها أداة عنف. هذا البعد يكاد يكون غائبًا نسبيًا لدى بابيه، الذي ينشغل أكثر بالأرشيف والوقائع التاريخية، بينما يمنح بريشيث–زابنر أهمية مركزية للخيال الجماعي، وللدور الذي تلعبه المدرسة، والأدب، والسينما، في إعادة إنتاج المجتمع المقاتل.
في الوقت نفسه، يربط الكتاب بين العسكرة والاقتصاد عبر تحليل المجمّع العسكري–الصناعي–الأكاديمي. فالاحتلال لا يُنتج فقط السيطرة، بل يُنتج سلعة: السلاح، والتكنولوجيا الأمنية، وأنظمة المراقبة، التي تُسوَّق عالميًا بوصفها «مجرَّبة ميدانيًا». هنا يصبح الفلسطيني ليس فقط ضحية، بل حقل اختبار. هذا التحليل يضيف بعدًا سياسيًا–اقتصاديًا غالبًا ما يغيب عن نقد الصهيونية الكلاسيكي، ويكشف كيف تحوّلت إسرائيل من دولة تعيش على خطاب التهديد الوجودي إلى دولة تستثمر هذا التهديد اقتصاديًا ودوليًا.
أما في ما يخص الهولوكوست، فيقدّم بريشيث–زابنر قراءة شديدة الحساسية، بعيدة عن الإنكار أو التبسيط. فهو لا يقلّل من فداحة الجريمة، لكنه يرفض تحويلها إلى أداة تبرير أخلاقي دائم. يرى أن الصدمة، بدل أن تُعالَج، جرى استثمارها لإنتاج عقلية أمنية بارانوية، حيث يُصوَّر كل نقد وكل مقاومة بوصفها خطر إبادة جديد. في هذا الجانب، يلتقي مع ساند في نقد «تسييس الذاكرة»، لكنه يضيف بعدًا نفسيًا–اجتماعيًا يفسّر لماذا تفشل هذه الذاكرة في إنتاج أمان حقيقي، ولماذا يتحوّل الجيش إلى تعويض مرضي عن خوف لا ينتهي.
في خاتمة الكتاب، لا يقدّم بريشيث–زابنر حلولًا سهلة، ولا يطرح أوهام «عملية سلام» شكلية. بل يضع القارئ أمام مأزق بنيوي: دولة صُنعت بالجيش لا تستطيع إصلاح نفسها من دون مساءلة هذا الجيش بوصفه مركز الهوية والسلطة. وهنا يختلف عن بابيه، الذي لا يزال يحتفظ بأفق أخلاقي–سياسي يقوم على العدالة التاريخية، وعن ساند، الذي يركّز على تفكيك الأسطورة القومية. بريشيث–زابنر يبدو أكثر تشاؤمًا، لكنه أكثر راديكالية في تشخيصه: لا «إسرائيل أخرى» من دون تفكيك العسكرة ذاتها، لا بوصفها سياسة، بل بوصفها ثقافة وهوية ونمط وجود.
بهذا المعنى، لا يشكّل كتاب An Army Like No Other مجرد إضافة إلى أدبيات نقد الصهيونية، بل حلقة مفصلية بينها، لأنه ينقل السؤال من «ماذا فعلت إسرائيل بالفلسطينيين؟» إلى «ماذا فعلت العسكرة بإسرائيل نفسها؟». وفي هذا النقل تكمن خطورته المعرفية، وقيمته التحليلية، وأهميته لكل من يسعى إلى فهم هذا الكيان خارج اللغة الدعائية، وخارج ثنائيات التبرير والإدانة السطحية.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com