باسم الموسوي
في خطاب وداعه الشهير عام 1961، حذّر الرئيس دوايت آيزنهاور من “التأثير غير المبرّر” لـ **”المركب الصناعي-العسكري”**، مُنبّهًا إلى أن التحالف بين الجيش وصناعات السلاح قد يُهدّد الديمقراطية ذاتها. بعد أكثر من ستة عقود، لم يعد هذا التحذير مجرد تحفّظ أخلاقي، بل تحول إلى واقع ملموس: الولايات المتحدة لم تعد فقط الدولة الأكثر إنفاقًا على جيشها، بل تحولت إلى **”دولة حرب دائمة”**، حيث يُهدَر التريليون دولار سنويًّا على ما يُفترض أنه “الأمن القومي”، بينما تنهار البنية التحتية، ويتضوّر الفقراء جوعًا، وتُهدر الفرص في مواجهة التغير المناخي والوباءات.
الكتاب الجديد **”The Trillion Dollar War Machine”** لويليام هارتونغ وبن فريمان يقدّم تحليلاً صادمًا لكيف أن هذا المركّب—الذي يضم شركات سلاح كبرى، الكونغرس، مراكز الأبحاث، هوليوود، ووادي السيليكون—بات يشكّل السياسة الخارجية الأمريكية ويُغذّي ثقافة الحرب الدائمة، لا من أجل الدفاع عن الوطن، بل من أجل الأرباح والسلطة.
#### **”أرسينال الديمقراطية” أم “تاجر الموت”؟**
تروّج الدوائر الرسمية الأمريكية لفكرة أن البلاد هي **”أرسينال الديمقراطية”**، مزوّدة الحلفاء بالسلاح لحمايتهم من الطغاة. لكنّ الوقائع تكشف العكس: بين عامي 2019 و2024، باعت أمريكا أسلحةً إلى **31 دولة غير حرة** بحسب تصنيف “فريدم هاوس”، من بينها السعودية، مصر، الإمارات، والفيلبين. هذه الأنظمة استخدمت الأسلحة الأمريكية في قمع شعوبها، أو في حروب كارثية كحرب اليمن التي قتلت مئات الآلاف.
الأكثر صدمةً هو الدور الأمريكي في **حرب غزة**. منذ أكتوبر 2023، قدمت واشنطن لإسرائيل أسلحةً بقيمة **18 مليار دولار** على الأقل، إلى جانب صفقات مستقبلية تزيد عن **20 مليار دولار**. الأسلحة الأمريكية—مثل قنابل الجافلين، والطائرات إف-15، وصواريخ الباتريوت—استُخدمت في حملة وصفها خبراء مستقلون بأنها **إبادة جماعية**. ومع ذلك، لم يقطع الكونغرس إمدادات السلاح، بل واصل دعمها بحجة “العلاقات الاستراتيجية”، بينما ينخرط مديرو شركات السلاح مثل “بالانتير” علنًا في تبرير الحرب، بل ويحتفلون بها كفرصة أرباح جديدة.
#### **من “التريليون دولار” إلى المجاعة والمرض**
النتائج ليست جيوسياسية فحسب، بل إنسانية واقتصادية مدمرة. منذ 11 سبتمبر 2001، أنفقت الولايات المتحدة **8 تريليونات دولار** على حروبها في العراق وأفغانستان وليبيا واليمن. هذا المبلغ كان كافيًا:
– لتحويل الشبكة الكهربائية الأمريكية بالكامل إلى طاقة نظيفة (بـ4.5 تريليون دولار)؛
– ومحو ديون الطلاب (1.7 تريليون دولار)؛
– ومضاعفة استثمارات بايدن في الطاقة الخضراء أربع مرات (1.4 تريليون دولار).
لكن الأموال ذهبت بدلًا من ذلك إلى جيوب شركة “لوكهيد مارتن” و”رايثيون” (التي أصبحت RTX) و”بوينغ” و”نورثروب غرومان” و”جنرال دايناميكس”—الخمسة الكبار الذين تقاسموا **2.1 تريليون دولار** في عقود البنتاغون وحدها منذ 2001.
وفي الوقت نفسه، يعيش **140 مليون أمريكي** إما في فقر أو على حافة الفقر. آلاف الجنود المتقاعدين يعتمدون على **بنوك الطعام**، بينما تحصل الشركات على عقود بقيمة مليارات. وفي عام 2024، بلغت ميزانية البنتاغون **895 مليار دولار**—أكثر من ميزانيات وزارات العدل، والتعليم، والصحة، والبيئة مجتمعة.
#### **لوبي الحرب: رأس حربة المركّب**
كيف ينجح هذا النظام في الحفاظ على نفسه؟ الإجابة تكمن في **النفوذ السياسي المنهجي**. في 2024 وحدها، أنفق متعهدو البنتاغون **148 مليون دولار على جماعات الضغط**، ووظّفوا **945 لوبيًّا**—أي ما يعادل **مُلّاحَين لكل عضو في الكونغرس**. وأكثر من ثلثي هؤلاء جاءوا من خلال “الباب الدوّار” بين الحكومة وشركات السلاح.
مثال صارخ هو **السيناتور مايك روجرز** من ألاباما، الذي حصل على أكثر من نصف مليون دولار من شركات السلاح في انتخابات 2024. ألاباما موطن لمصانع صواريخ “هانتسفيل”، ومقر إنتاج طائرات “أوسبيري” (Osprey) التي تسببت في مقتل **64 جنديًّا أمريكيًّا** بسبب عيوب تصميمية خطيرة—لكن الضغط السياسي أبقاها في الخدمة.
حتى الأكاديميا لم تسلم. الجامعات الأمريكية—بما فيها **MIT** و**جونز هوبكنز** و**تكساس A&M**—تتلقى مليارات الدولارات من البنتاغون لتطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة المراقبة. في الوقت نفسه، ترفض هذه المؤسسات طلبات الطلاب بقطع علاقاتها مع شركات متورطة في حرب غزة.
#### **هوليوود، الألعاب، والتجنيد الناعم**
لم يعد تأثير المركّب مقتصرًا على السياسة، بل امتد إلى **الخيال الجماهيري**. من خلال مكتب “الاتصال بالترفيه” في البنتاغون، يتم تمويل وتعديل أفلام هوليوود لعرض الجيش بشكل بطولي. فيلم **”تاوب غان”** زاد التجنيد بنسبة 8%؛ و”كابتن مارفيل” أصبح إعلانًا تجنيدًا مباشرًا للقوات الجوية، بل وشارك فيه طيارو “ثاندربيردز” الحقيقيون.
حتى **ألعاب الفيديو** تحولت إلى أداة تجنيد. الجيش الأمريكي يمتلك فرق “آي سبورتس” تتنافس في البطولات الوطنية، بينما تُستخدم ألعاب المحاكاة لتدريب الجنود على قيادة الطائرات المُسيّرة. وفي الوقت نفسه، يُروّج رجال مثل **بالمير لوكي**—مؤسس شركة “أندوريال” ومالك أكبر مجموعة ألعاب في العالم—لرؤية عسكرية تدمج بين الخيال الافتراضي والواقع القاتل، حتى أنه صمّم خوذة يمكن أن **تقتلك إذا مُتّ في اللعبة**!
#### **وادي السيليكون يدخل السباق**
الجيل الجديد من آلة الحرب يقوده رجال مثل **إيلون ماسك** و**بيتر ثيل** و**بالمير لوكي**، الذين يسعون لتحويل الحروب إلى حروب روبوتات وذكاء اصطناعي. شركات مثل **”سبايس إكس”** و**”بالانتير”** و**”أندوريال”** تبني مُسيّرات، أنظمة استهداف ذاتي، وقواعد بيانات ضخمة لاختراق الخصوصية و”التنبؤ” بالأعداء—كل ذلك تحت شعار “إنهاء الحروب بسرعة”، بينما تتجاهل المخاطر الأخلاقية والوجودية.
في غزة، استُخدم ذكاء اصطناعي إسرائيلي مدعوم من “بالانتير” لتحديد **37 ألف هدف** في ساعات—مع نتائج كارثية على المدنيين. ومع ذلك، يواصل هؤلاء المليارديرات الترويج لتقنياتهم كـ”أدوات سلام”، بل ويدعمون سياسيًّا أشخاصًا مثل **دونالد ترامب** و**JD فانس** لضمان تدفق العقود.
#### **البديل: من آلة الحرب إلى آلة السلام**
هل هناك مخرج؟ يرى الكاتبان أن الأمل يكمن في **حركة شعبية جديدة** تربط بين نشطاء المناخ، والعدالة العرقية، وحقوق العمال، والمُحاربين القدامى، والطلاب، وجماعات السلام. فالمشكلة ليست عسكرية فقط، بل نظامية: **اقتصاد حرب** يحوّل كل شيء—حتى التعليم والصحة—إلى فرصة للربح من الدمار.
الخطوات الممكنة تشمل:
– **تشريع يمنع أعضاء الكونغرس من امتلاك أسهم في شركات السلاح**؛
– **شفافية إلزامية في تمويل مراكز الأبحاث والجامعات**؛
– **وضع ضوابط دولية صارمة على الأسلحة ذاتية التوجيه**؛
– وتحويل موارد البنتاغون إلى **استثمار في “آلة السلام”**: طاقة نظيفة، تعليم، بنية تحتية، ودبلوماسية حقيقية.
كما قال آيزنهاور ذات يوم: “كل بندقية تُصنع، كل سفينة حربية تُطلق، كل صاروخ يُطلق، يُمثّل في النهاية سرقةً من الجياع غير المغذّين، والعراة غير الملبسين”. اليوم، السرقة أكبر من أي وقت مضى. لكن الوعي ينمو، والمقاومة تتصاعد. والسؤال الآن: هل سنتمكن من كسر آلة الحرب قبل أن تُنهي الحياة كما نعرفها؟
