لا يبدو أن مواطننا اللبناني المبدع مصطفى الحسيان الشهير بكنية أبو عمر رجلٌ “على نياته”، أو أنه فردٌ استيقظ صباحاً وقرّر أن يبدأ فصلاً مسرحياً في لبنان، وسط دائرة من السياسيين المنافقين، ثم استقبله هؤلاء بأحسن قبول، من دون سؤال أو استفسار أو بحث أو تحرٍّ، وهم الذين لا يمكن لطالب مساعدة أن ينفذ إلى ساحة كرمهم من دون بطاقة تعريف، واتصالات تطمين، ورفقة عارفين، فكيف بالنفاذ إلى ساحة أسرارهم ومبايعتهم رؤساء وأحزاباً وتيارات؟!
لا ليس الأمر بهذه البساطة، وقد صوّب الزميل إسكندر خشاشو في مقالة له في “النهار” إلى “تشابك ثلاثة مستويات حسّاسة دفعة واحدة، القضائي والسياسي والديبلوماسي”، ملاحظاً صمتاً رسميّاً واسعاً ميّزه لجوء “معظم الجهات المعنية” إلى “تحفّظ واضح عن الإدلاء بأيّ تفاصيل”.
هذا الموقف ثلاثي المستوى ليس بسيطاً في لبنان، ولا يحصل إلا حين يستشعر ثعالب السياسة اللبنانية أن الأمر شديد الحساسية أو الخطر، فيحسنون حينئذ حبك القصّة وصياغتها وإخراجها، ولا يقدّمونها إلا بعد أن تختمر لتلائم دعاياتهم السياسية.
إذن لا بدّ من جهة منكّرة معروفة فتحت الباب واسعاً للأمير “أبو عمر” كي يدلف إلى المنتديات والأوساط العليا في لبنان، خصوصاً في الوسط السنيّ، وسط حالة هلامية أوجدها تجميد الرئيس سعد الدين الحريري عمل تيار المستقبل السياسي. وثمة من خلع على هذا “الحداد” لقب الإمارة، ثم غضّ الطرف عن سقوطه المفجع في قبضة القوى الأمنية؛ وثمة دار إفتاء لم تبالِ باتهام الشيخ العراب بالمشاركة في مقلب النصب والاحتيال، ولم تجد نفسها مطالبة بإصدار بيان مقتضب حول دور القاضي في محاكمها المليّة، وممثلها لدى القوى السياسية المختلفة، خصوصاً القوات اللبنانية، التي أعلنت على لسان مسؤول التنشئة السياسية أنها كانت تستقبل الشيخ عريمط بصفته ممثلاً لدار الفتوى في الجمهورية اللبنانية. ثم المستغرب أن تمتنع المملكة السعودية عن مداعاة أبو عمر بحجة تشويه سمعة المملكة والسعي إلى استغلال عنوانها للإثراء المالي، والتدخل السياسي في شؤون لبنان الشقيق، خلافاً للشائع عن امتناع المملكة عن التدخّل في الشؤون الداخلية اللبنانية. لا يقل فداحةً إغفال لبنان انتحالَ “أبو عمر” صفة ليست له، وادّعاءه تمثيل دولة شقيقة بما يخالف حُسن العلاقات بين الجانبين، وتعكير صفو العلاقات مع تلك الدولة الشقيقة، والتدخل في قرارات سياسية لبنانية داخلية، ولا سيما انتخابات رئاسة الحكومة في لبنان. فكيف يتغاضى الجميع عن كلّ ذلك، فيلوذون بالكتمان، ويحرصون على مقاربة الملف عبر المسارب الخلفية وفي الغرف المغلقة، من دون إعلام الجمهور بقضية نصب من هذا الوزن الخطير، كانت لتؤدي إلى تبعات قانونية عظمية في بلدٍ غير هذا البلد، خصوصاً أن الشهود كمثل الوزير الأسبق وئام وهاب، رئيس حزب التوحيد العربي، يؤكّدون أن أبو عمر مارس سلطته في أوساط لبنانية، وفرض قرارات على بعض النواب، بل شتم بعضهم وحقّره، وفرض عليه انتخاب الرئيس نواف سلام بعد قراراه بالاقتراع لصالح رئيس الوزراء السابق محمد نجيب ميقاتي!
والمستغرب في المقام أن آخرين من الوجوه اللبنانية لم يرتكبوا ما ارتكبه أبو عمر، ولم يفعلوا غير التعبير عن آرائهم، فووجهوا بمسارعة جحافل من اللبنانيين إلى التنديد بمواقفهم قبل آخرين من الأجانب، فيما استنفر الأجانب متحدّثين عن إهانات وتعكير صفو العلاقات الأخوية، ثم لم يرضوا بأقلّ من استقالة وزير الخارجية أو وزير الإعلام…!
لكن ما يثير الانتباه أن الإشارات كلّها تتجه تلقاء الحضن العربي في كلّ تفصيل يميّز هذه الشخصية المشغولة بعناية، والجهة التي أعطت أبو عمر التصريح للانطلاق، والحيّز السنّي الذي جرى تفعيل أبو عمر فيه، والتزام الهدوء مدّة سنوات، في حين كان المنتحل صفة الإمارة يوجّه ويأمر مرشداً للنخبة ووليّاً.
فهل كان “أبو عمر” مجرّد مهمة لمرحلة محدّدة، ثم لما انقضى الوقت المخصّص، وافترقت الخطط الراعية للبنان فجّر الرافضون له به لغماً، وأوقعوه في أيدي الأمن والقضاء اللبنانيين، ويجري الآن الطمطمة على القضية برمّتها وصولاً إلى إقفال الملف؟!
أم كان “أبو عمر” بريداً للحضن العربي، تُوجّه بوساطته الرسائل السياسية من دون تبعات رسمية، فلمّا “انفخت الدفّ وتفرّق العشّاق”، من اليمن وجنوبه حتى لبنان، أُبطل الاعتماد الرسمي لـ “أبو عمر” لدى النادي السياسي السنّي واللبناني، وأحيل إلى التقاعد؟!
صحيح أن البيئة السياسية في لبنان هشّة وموبوءة وتتميّز بالتزلّف والارتباط بالأجنبي، لكن الأجنبي أيضاً لا يألو جهداً في زيادة فساد حياتنا السياسية بأشكال مختلفة، ولن يكون أبو عمر آخر فصول الفساد، خصوصاً أن نظامنا السياسي فيه من الثغرات الكثير، والتدخلات كذلك، والنفوس الضعيفة والبيئات الضّحلة.
طارق قبلان
27-12-2025
