باسم الموسوي
لم يخترق السوقُ الدينَ عبر مواجهة صريحة، ولا عبر إقصاء المقدّس أو نفيه، بل فعل ذلك من الداخل، عبر إعادة ترتيب الأسئلة الكبرى التي كان الدين يجيب عنها، ثم إعادة صياغة تلك الأجوبة بلغة جديدة: لغة الأداء، والنجاح، وتحقيق الذات، والكفاءة، والاختيار الفردي. ما جرى ليس «علمنة» بالمعنى الكلاسيكي، بل تحوير وظيفي للدين، جعله أكثر مرونة مع منطق السوق، وأقل تصادماً مع العولمة، وأكثر قابلية للاستهلاك.
في هذا التحول، لم يعد الدين مشروعاً جماعياً يطمح إلى إعادة بناء المجتمع أو الدولة، ولا خطاباً سياسياً يسعى إلى السيطرة على المجال العام، بل صار مصدراً للمعنى الفردي، ورافعة أخلاقية للنجاح الشخصي، ومخزوناً رمزياً قابلاً للتكييف مع أنماط الحياة الحديثة. السوق لم يلغِ الدين، بل أعاد تعريفه.
الاختراق الأول حصل عندما تراجع الدين، في وعي أتباعه، من كونه إطاراً ناظماً للحياة العامة إلى كونه تجربة داخلية شخصية. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من إنهاك طويل أصاب المشاريع الدينية الشمولية، التي وعدت بالعدل والنهضة والتحرر، ثم اصطدمت بحدود الواقع، وبقمع الدولة، وبعجز التنظيم، وبتآكل الحماسة. في لحظة الخيبة هذه، فتح السوق أبوابه: قدّم بديلاً أقل كلفة، وأقل مخاطرة، وأكثر قابلية للتحقق.
صار الخلاص دينياً لا يُطلب عبر تغيير العالم، بل عبر تحسين الذات. الإيمان لم يعد مشروع تضحية، بل مشروع توازن نفسي. التقوى لم تعد انضباطاً جماعياً، بل أسلوب حياة. هكذا، انتقل الدين من ساحة السياسة إلى فضاء التنمية الذاتية، ومن خطاب الالتزام إلى خطاب الرضا الداخلي.
اختراق السوق للدين تمّ أيضاً عبر اللغة. المفردات التي كانت مركزية في الخطاب الديني – الجهاد، الأمة، الشريعة، الإصلاح – أعيد تفريغها من مضمونها السياسي، وأُعيد ملؤها بمعانٍ أخلاقية أو نفسية. الجهاد صار جهاداً ضد الكسل، وضد السلبية، وضد ضعف الإنتاجية. الأمة صارت شبكة قيمية أو أخلاقية، لا كياناً سياسياً. الشريعة تحوّلت إلى «إطار قيمي عام» لا إلى منظومة قانونية.
بهذا التحوير، لم يعد الدين يصطدم مع الدولة أو السوق، بل صار مكمّلاً لهما: يزوّد الفرد بالدافعية، ويمنحه شرعية أخلاقية للنجاح، ويخفّف عنه قلق التنافس واللايقين. الدين هنا لا يطلب تغيير النظام، بل تحسين أداء الفرد داخله.
في المرحلة السابقة، كان المسجد، أو الحزب، أو الجماعة، هو الوسيط بين الفرد والدين. أمّا اليوم، فقد أصبح السوق نفسه وسيطاً دينياً. الكتاب الديني، الشريط، القناة الفضائية، تطبيق الهاتف، الأزياء المحتشمة، الموسيقى الدينية، الدورات التدريبية الروحية… كلها منتجات تُعرض، وتُسوّق، وتُستهلك وفق منطق العرض والطلب.
هذا التحول غيّر طبيعة السلطة الدينية. لم يعد الفقيه أو الشيخ التقليدي هو المرجع الأوحد، بل ظهر «رائد أعمال ديني»، و«مؤثر إيماني»، و«مدرّب حياة بروح دينية». الشرعية لم تعد تُستمد من السند أو العلم وحده، بل من النجاح الجماهيري، ومن القدرة على الانتشار، ومن التوافق مع أذواق الطبقة الوسطى الصاعدة.
من أخطر مظاهر اختراق السوق للدين هو استبدال أخلاق التضحية بأخلاق النجاح. في النموذج القديم، كان الدين يمجّد الصبر، والزهد، والوقوف مع المظلومين، حتى لو خسر الفرد راحته أو مكانته. أمّا في النموذج الجديد، فالدين يشجّع على الازدهار، والتميّز، وتحقيق الطموح، ويقدّم النجاح المادي بوصفه دليلاً على الاستقامة، لا نقيضاً لها.
بهذا المعنى، يصبح الفقر فشلاً شخصياً، لا ظلماً بنيوياً. وتصبح العدالة الاجتماعية مسألة أخلاق فردية، لا قضية سياسية. السوق هنا لا يكتفي باحتواء الدين، بل يعيد توجيه بوصلته الأخلاقية.
واحدة من وظائف «إسلام السوق» – أو التدين السوقي عموماً – هي نزع الطابع الصراعي عن الدين. الدين الذي يزعج السوق هو الدين الذي يسائل، ويحتج، ويطالب بإعادة توزيع الثروة والسلطة. أما الدين الذي يريده السوق فهو دين مطمئن، إيجابي، متفائل، يتحدث عن السلام الداخلي، وعن التعايش، وعن القيم المشتركة، دون أن يلامس جذور اللامساواة.
بهذا المعنى، لا يعود الدين قوة مقاومة، بل قوة تكيّف. لا يواجه العولمة، بل يتأقلم معها. لا يناقض النيوليبرالية، بل يزوّدها بأخلاق ناعمة تجعلها أقل قسوة في الوعي، حتى لو بقيت كذلك في الواقع.
السؤال الحاسم ليس ما إذا كان السوق قد «غزا» الدين من الخارج، بل ما إذا كان الدين نفسه قد أعاد تشكيل ذاته استجابةً لتحولات اجتماعية عميقة: صعود الطبقات الوسطى، تراجع الدولة، فردنة الحياة، وتسليع المعنى. السوق لم يفرض نفسه بالقوة، بل دخل من باب الحاجة: حاجة الفرد إلى معنى لا يكلّفه مواجهة السلطة، ولا التضحية بالاستقرار، ولا العيش في الهامش.
من هنا، يبدو اختراق السوق للدين أقل شبهاً بالمؤامرة، وأكثر شبهاً بتحول تاريخي في وظيفة المقدّس.
ما يحصل ليس نهاية الدين، بل نهاية مرحلة منه. لكنه يطرح سؤالاً مقلقاً: إذا تحوّل الدين إلى شأن فردي أخلاقي منزوع السياسة، فمن سيملأ فراغ العدالة؟ ومن سيواجه عنف السوق نفسه؟ حين يصبح الإيمان مشروعاً شخصياً للنجاح، لا مشروعاً جماعياً للإنصاف، فإن الدين يكسب انتشاراً، لكنه يخسر حدّته النقدية.
اختراق السوق للدين لم يلغِ المقدّس، لكنه روّضه. جعله أقل إزعاجاً، وأكثر قابلية للبيع، وأشد انسجاماً مع عالم لا يريد أن يُغيَّر، بل أن يُدار بكفاءة.
إن الأثر الأعمق والأكثر خطورة لهذا النمط من التديّن لا يكمن في تحييده عن السياسة فحسب، بل في إعادة تشكيل الوعي الجمعي للشعوب على نحو يُفرغها من إمكانية المقاومة ذاتها. فالدين، حين يُعاد إدماجه في منطق السوق، يتوقف عن كونه لغة احتجاج أخلاقي ضد الظلم التاريخي، ويتحوّل إلى جهاز ضبط داخلي للذوات. لم يعد يوقظ الإحساس بالقهر بوصفه نتيجة بنى اقتصادية كونية غير عادلة، بل يعيد تفسيره كعطب فردي، أو كقصور في الإيمان، أو كفشل في إدارة الذات. هكذا تُفكَّك العلاقة بين المعاناة الاجتماعية وأسبابها البنيوية، ويُعاد ربطها بالأداء الشخصي والاختيارات الفردية، في انسجام تام مع العقل النيوليبرالي.
في هذا السياق، لا تُقمع روح المقاومة عبر العنف المباشر، بل عبر تجفيف منابعها الرمزية. فالغضب، الذي كان يُفهم تاريخيًا كاستجابة مشروعة للظلم، يُعاد تصنيفه كحالة سلبية، أو كدليل على ضعف روحي، أو كعائق أمام السلام الداخلي. والاحتجاج، الذي كان يُستمد من قيم العدالة والكرامة، يُستبدل بخطاب الصبر الإيجابي، والتكيّف الذكي، والنجاح داخل النظام القائم. بذلك، تتحول الأخلاق الدينية من أخلاق مواجهة إلى أخلاق إدارة، ومن أخلاق تضحية إلى أخلاق إنجاز، ومن أخلاق جماعية إلى أخلاق فردانية صرفة.
الأخطر من ذلك أن هذا التديّن السوقي يُنتج نزعًا تدريجيًا للطابع السياسي عن الشعوب نفسها. فحين يُختزل الإيمان في مسار فردي للخلاص والنجاح، تُفكك الروابط التي تجعل من الجماعة فاعلًا تاريخيًا. الأمة لم تعد ذاتًا قادرة على الفعل المشترك، بل سوقًا من الذوات المتدينة، كل واحدة منهم منشغلة بمسارها الخاص، وبخلاصها النفسي، وبترتيب علاقتها الشخصية مع الله، خارج أي أفق تحرري أو مشروع تغييري. وبهذا، يُستبدل منطق الصراع الاجتماعي بمنطق التنافس الفردي، حتى داخل المجال الديني ذاته.
بهذا المعنى، لا تكتفي الرأسمالية الكونية باحتواء الدين، بل تستخدمه كوسيط لإعادة إنتاج الهيمنة. فالدين، وقد أُفرغ من قدرته على تسمية الظلم وفضح آلياته، يصبح عنصرًا من عناصر الاستقرار العالمي غير العادل. إنه يوفّر لغة أخلاقية ناعمة تبرّر اللامساواة، وتُجمّل الخضوع، وتحوّل الاندماج في السوق إلى قدر أخلاقي، لا إلى علاقة قوة قابلة للنقد والمقاومة. وهكذا تُدرَج الشعوب داخل النظام الرأسمالي العالمي لا بوصفها مجتمعات مقهورة ينبغي تحريرها، بل بوصفها مجتمعات مؤمنة ينبغي تهذيبها، وضبط انفعالاتها، وتوجيه طاقتها الروحية نحو النجاح الفردي لا نحو التحرر الجماعي.
في هذه اللحظة التاريخية، لا يعود الدين أداة لتحرير الإنسان من اغترابه، بل يصبح – من حيث لا يدري كثير من حامليه – جزءًا من بنية الاغتراب ذاتها. إذ تُستبدل مقاومة الاستغلال بمصالحة روحية معه، ويُعاد تعريف الخلاص لا كخروج من علاقات السيطرة، بل كقدرة على العيش داخلها بأقل قدر ممكن من الألم. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: تدينٌ أكثر حضورًا في الحياة اليومية، لكنه أقل قدرة من أي وقت مضى على إنتاج معنى المقاومة، أو استعادة الإنسان لذاته بوصفه كائنًا تاريخيًا قادرًا على الفعل والتغيير.
عاجل
- بيضون: المقاومة استعادت “عافيتها” وإسرائيل تفاوض تحت النار لفرض أطماعها
- غارة معادية استهدفت بلدة باتوليه
- بالفيديو: غارة إسرائيلية معادية استهدفت سيارة في الحوش – صور
- قذائف مدفعية معادية استهدفت محيط جبل بلاط – بنت جبيل
- إنذارات بالاخلاء لمبان في الكفور وأنصار
- عاجل: إصابة طفيفة في صفوف فريق عمل قناة الميادين أثناء تغطيتهم الغارات
- عاجل: الطيران الحربي الإسرائيلي يغير مستهدفًا الموقع المُهدد في بلدة الكفور
- عاجل: الطيران الحربي الإسرائيلي يغير مستهدفًا الموقع المُهدد في بلدة جرجوع
