أخطر ما في انهيار المشهد السوري، الذي بناه التحالف الاستراتيجي بين سوريا البعث وإيران الجمهورية الإسلامية، أنه أظهر هشاشة المشروع الإسلامي الإيراني أمام العدوانية العربية، بالرغم من أنها لم تملك مشروعاً مضاداً. لكن الراجح أن المشروع لم يُفلح في تقديم اقتراحات وحلول للواقع السوري، فضلاً عن الواقع العربي، بما يحفل به من قوى إسلامية، وقومية، ووطنية، ليست على عداء مع إيران وتاريخها.
من المرجّح أيضاً أن البيئة السورية، بعد جهود وحروب، كانت كعب أخيل في جسد المشروع الإسلامي الإيراني، في غربي آسيا، والذي لم يكن نقديّاً بما يكفي ليفصل ما بين المشروع الإسلامي الحضاري ومشروع المقاومة. هناكَ، تحالَفَ المشروع مع نظامٍ قوميٍ – فرديٍ – متّهمٍ في الدعاية الخليجية بالطائفية، فاتخذ خياراً مكلفاً استراتيجياً، وبدل التساوق بين حماية إيران وحلفائها للدولة السورية وتعديلهم لسلوك النظام، انصرف الحلفاء إلى تحقيق إنجازات في الميدان، واستمرّ اشتغال النظام وفق إوالياته القديمة المستهلكة، ولم يفسح المجال للتطوير السياسي، ولا لتوسيع قاعدة النظام عبر المشاركة الحزبية والشعبية… ثم جاء الروس بثقلهم العسكري، ليحفظوا نفوذهم على شاطئ المتوسط الشرقي.

لكن السؤال حول مدى صوابية مواجهات سوريا، ونحن نرى هذا الانحدار في المشروع والنفوذ بعد عقود من الحوار الإسلامي – الإسلامي، وعشرات المؤتمرات في طهران للحوار والتقريب بين المذاهب؟

الواضح أن مؤتمرات الحوار، التي عقدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران، خصوصاً بين الشيعة والسنة، لم تفلح في “عولمة” المشروع الإسلامي الذي أطلقته الثورة الإسلامية، بعد أن كان قادتها يظنّون أن العالم الإسلامي يتوق إلى التحرر من سلطة الاستعمار، وأن البلدان الإسلامية على أهبة الثورة وإرساء الحكم الإسلامي، لشدّة ما تحسّر هؤلاء على “الخلافة العثمانية”، بعد أن بكوا زمناً على “ضياع الأندلس”.
والمؤتمرات الكبيرة، التي انطلقت منذ عصر الثورة الإسلامية الأول لم تحدث ثورة أو تغييراً استثنائياً في العالم العربي والإسلامي معرفياً أو سياسياً، ولم تشهد ساحات العالم الإسلامي وميادينه تسييلاً لأفكار المؤتمرات، ولا تحركات تستجيب لأفكار الثورة، بل ظلّ سوء التفاهم التاريخي قائماً، بل ربّما اشتدّ بإيحاء وتمويل من القوى الغربية الكبرى، والرجعية العربية، التي تكاملت في إحكام القبضة الغربية على العالم الإسلامي.
يمكن الاستنتاج ببساطة أن المؤتمرات اقتصرت على العلاقات العامة، والإحياء البروتوكولي للمناسبات، وإلقاء كلمات جوفاء، من دون تقديم أفكار دقيقة، وطروحات بنّاءة، ومعالجات أخوية، في سبيل توحيد جهود الأمة، فبقيت الأمة الموعودة أمماً.
ليس أبلغ في المقام من موقف الراحل الشيخ يوسف القرضاوي الذي كان إخوانيّ المنشأ، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي ضم تحت عنوانه علماء من المذاهب الأربعة والشيعة الإثني عشرية والزيدية والإباضية، إذ لم يكد المشروع الإخواني ينطلق في موسم “الربيع العربي” حتى تنكّر للعلاقات التاريخية بين مريديه والشيعة عموماً، وتأسّف غاضباً أن قضى ردحاً من عمره في ما اعتبره وهم التقريب بين الشيعة والسنة، متّهماً الشيعة بالإصرار على استعداء السنة.
أما المثال الثاني لبنانياً فشيخ يأكل من مال الإيراني الإثني عشري، ويزعم تصدّياً لأعداء الأمة، صدف أن تبادل وامرأة شيعية حديثاً تاريخياً تناول حقبة صدر الإسلام، فلم يطق صبراً أن خالفته فكرته ونقدت شيئاً من أفعال “صحابي” حتى ارتدّ عليها بوصفها بـ “بنت المتعة”، يريد بها ذمّاً…
اتّسمت علاقات الطائفتين في التاريخ بالتوتر، وما زالت.

الثورة في الثورة
المحزن أن القائمين على تلك المؤتمرات لم يراجعوا فائدتها، ولم يحاولوا تطوير مدخلاتها ومخرجاتها، سواء على مستوى المشاركين، وإواليات تلك المشاركة، ومقرراتها، وبرامجها التنفيذية، بالرغم من عظيم الإمكانات التي وضعت في خدمة هذا المشروع، والتي كان يمكن أن تكون أعظم من ذلك.
بمعزل عن تعقيدات الداخل الإيراني، أعيد جزءاً مهماً من فشل تلك المؤتمرات إلى سيطرة الذهنية البيروقراطية والأداء المصاحب في الإدارة الإيرانية، مما يعيق أي نتائج إبداعية على مستوى الممارسة. ولذلك، تشتد الضرورة لمن كان قائماً على المشروع الإسلامي أن يدخل في طور “الثورة في الثورة” ليجدّد شباب المشروع، من الثورية والحماسة إلى البناء والإبداع، وإجراء المراجعات الضرورية بعد عقود من العمل إلى حيث انتهى المطاف تراجعاً وتقهقراً، وسط القوى العالمية الكبرى، التي ما انفكت قائمة على معادلة الإمبراطورية العظمى الولايات المتحدة الأميركية، ثم الصين الطامحة، وروسيا الوارثة لسطوة الاتحاد السوفياتي.

المشروع الأممي والاتساع الحضاري

من غير المنطقيّ أن المشروع الإسلامي، الذي يتنطح إلى مهمة حضارية، يُنكب في البيئة ينتمي إليها، والتي تُشكّل أرضاً خصبة له، أياً تكن التباينات، بعد أن كانت البلاد قديماً موضع سلطته، ومسرح أبنائه، ومحلّ عمرانه. وهذا المشروع قد احتوى قديماً المؤتلف والمخالف، وتكامل مع كل الملل والنحل، وفق منطق العصر يومها، وتدبير سلطة الزمان، ومرّ على التوالي من الخلافة إلى السلطنة والإمارة…
واليوم، إذا أراد هذا المشروع أن يعيد ترميم نفسه، وتحقيق أهدافه، فالواجب أن ينصرف إلى البحث عن مكامن الخلل والخطأ، وأن يطوّر قدرته على تقبّل المكونات المجتمعية كلها وجعلها جزءاً من حمولته الحضارية، قبل حشد الطاقات وتحشيد الجموع، لأن الهدف نجاح المشروع وريادته لا قهر الأعداء وتهديم العمران وإزهاق الأرواح.
مثال لضيق المشروع أن المسلمين من أبناء المذاهب الأربعة، على ما هم فيه الاستضعاف والمهانة، وعلى ما هم فيه التبعية للغرب الإمبريالي، وعلى ما هم فيه من الضيم في فلسطين التاريخية، وغزة تحديداً، يهوّنون على أنفسهم، ويسوغون الحصول على الدعم الإسلامي الإيراني وفق قاعدة الاضطرار، ويمثّلون بأكل الجيفة اضطراراً لمن خشي على نفسه الموت!
صحيح أن القضية معقّدة، وأن التيارات المتطرفة من السلفية وغيرها حفرت عميقاً في الوجدان السني، وقطّعت أوصال الكثير من المجتمعات المسلمة، وابتدعت طرق تفكير وقواعد شرعية مخالفة لأبسط قواعد المنطق والدين والشريعة، لكنها حاضرة ومهيمنة في أوساط كثيرة، وتستدعي الكثير من المخيالات تجاه الآخر من المسلمين، والآخر مطلقاً، لكنه من غير الجائز أن يبقى المسلمون على ما هم فيه من التنابذ والتدابر والاحتراب الداخلي بدل أن يكون يداً واحدة على من عاداهم، وفي مشروع حضاري واحد.
ما بين نصرة المشروع والأوطان؟
يخلط بعض الإسلاميين، خصوصاً في الحالة الإيرانية، بين الانتصار للوطن والقومية والانتصار للمشروع الحضاري الإسلامي في مواجهة المشروع الغربي المادي، والأميركي تحديداً، ويكاد يظن أن ما شهدته إيران من احتشاد الجماهير خلف قواتهم المسلّحة وقيادة الجمهورية الإسلامية تعبيرٌ عن مرحلة من مراحل انتصار المشروع الإسلامي، فيما الحقيقة مباينة لذلك الاستنتاج، باعتبار الوطنية والقومية لا تُدخِل في إطارها وتستوعب المشاريعَ الإسلاميةَ في العالم العربي. وإذا رغب الإسلاميون الإيرانيون والعرب، من شيعة وسنة، في تكامل المشروع الإسلامي المشترك فما ينبغي عليهم حينها هو البحث عن حوامل لهذا المشروع وصياغات وهيكليات تعيد تأطير الجماهير، وتبعث نهضة متجددة للمشروع حتى تحقيق الأهداف، ولا سيما زوال الكيان المصطنع في نقطة التقاء المشرق بالمغرب، في قلب العالم العربي والإسلامي.

21-12-2025
طارق قبلان

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com